السبت، 5 يناير، 2013

ما قصة نبي الله تعالى إبراهيم مع الطير؟

بسم الله الرحمن الرحيم


أبيِّنُ علاقة الأمر بسؤالِ إبراهيمَ عليه السلام ربَّه عن إحياءِ الموتى. من القصصِ المُثيرةِ سؤال إبراهيم ربَّه أنْ يريه كيفيّةَ إحياءِ الموتى ليطمئنَ قلبه ...


وَإِذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْى الموتى ، قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن، قَالَ بلى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى،قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ على كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً  ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً، وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ {البقرة : 260 }


قيل بشَكِّ سيِّدِنا إبراهيمَ بقدرتِه تعالى على إحياء الأجساد الميتة، وهذا مما لا ينبغي في حق أبي الأنبياءِ خليل الرَّحمان ولنسأل أنفسنا نحن الناس العاديين: هل يشك أحد منا بذلك؟


وقيل أن الإيمان ينقسم إلى قلبي وآخر بصري أعلى منه وأنّه تجَاوزَ الإيمانَ القلبيَّ  فأرادَ أنْ يَصِلَ إلى البصري! لنسأل من أين لنا مصطلح "الإيمان البصري" الذي هو من هذا المنظور أعلى من الإيمان الغيبي؟ من أي آية قرآنية، من أي حديث نبوي؟


وقيل أن هناك "علم اليقين" و "عين اليقين" فأراد إبراهيم الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين؟


لا نجد للأسف أثراً لهذه المصطلحات في القرآن الكريم أو في الأحاديث النبوية. لأن معنى هذا أنَّ الكُفارَ الذين يَسْألون أنبيائَهم عن "مُعجزاتٍ بَصَرية" هم بمرتبةِ إبراهيمَ في الإيمانِ لأنَّهم أيضاً يريدونَ الوصولَ إلى مرتبةِ الإيمانِ البصري.

أما أن موسى عليه السلام سأل الله تعالى أن يراه، فلم يكن ذلك بقصد الإيمان من عدمه بل حباً وشوقاً.


في الحقيقة نجد من صدر مهجنا وقرآننا تزكية للذين يؤمنون   بالغيب:


الم (1) ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى  للمتقين (2) الذين يؤمنون بالغيب   ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (البقرة:3)


ونجد توبيخاً وإنكارً  لمن يسأل عن آيات "بصربة":

هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو  كسبت   في   إيمانها  خيرا قل انتظروا إنا منتظرون (الأنعام:158)


ويقولون لولا أنزل عليه   آية  من ربه فقل إنما  الغيب  لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين (يونس:20)


المفهوم المتوارث هو أنَّ سيِّدنا إبراهيم، لِشكٍ في نفسه أو لرغبةٍ في إكمالِ إيمانه، سألَ ربَّه أنْ يُريه كيفيَّةَ إحياءِ الموتى. فأجَابَه سُبحانَهُ بأخذِ أربعةٍ من الطيرِ وصُّرِها (أي ضَمِها) إليه، ثُمَّ تقطيعها، ثُمَّ توزِيعِها على رؤوسِ الجبالِ، ثُمَّ دعْوتهنَّ فيأتوا إليه طائرين. لحلِ إشكاليَّةِ أنَّ إبراهيمَ لن يرى كيفيَّة تكوينِ خلق الطير وهي على قِممِ الجبال بعيداً، فقد قيل أنَّ الله سُبحانَهُ أمرَ إبراهيمَ أنْ يُبقِيَ رُؤوسَ الطُيورِ الأربعةِ بيده.



ونعلق بما يلي:

·      لا يوجدُ في الآيةِ كلماتٌ تدُلُ على أنَّ عددَ الطيورِ هو 4، فمعنى قوله تعالى {فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ} لا تعني حصريا أربعة طيور العددَ 4 بل قد تعني 4 مجموعاتٍ من الطيورِ أوْ  4 أنواع من الطيورِ  ...


·      لا يوجدُ في الآيةِ كلماتٌ تعني تقطيعَ الطيرِ إلى أشلاءَ وذلك للأسباب التاليَّةِ ...

كلمةُ {فَصُرْهُنَّ} تعني ضُمَّهُنَّ واجْمَعْهُنَّ إليك وهي مأخوذةٌ من كلمةِ "صُرَّة" وهي الكيسُ الذي يُجْمَعُ المالُ فيه ...

أمَّا لعِبارة {اجْعَلْ على كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً} فالجزءُ من العددِ هو أيضاً عددٌ صحيحٌ. فمثلاً 25 جزءٌ من 35  وكلاهما أعدادٌ صحيحةٌ ... فتعني الجُملةُ إذاً : خُذْ مجموعةً من هذه الطيورِ ووزعها على الجبال ....



·      لماذا قالَ تعالى: وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، ولم يقل مثلاً: وَاعْلَمْ أَنَّ الله على كُلّ شىء قدير؟ أوَليسَ سؤالُ إبراهيمَ عليه السلام عن القدرةِ؟ فلِمَ يذْكُرُ سُبحانَهُ العزةَ والحِكْمة في الجواب؟ 



·      لو كان السؤالُ حولَ القدرةِ الإلهيَّةِ على تجميع الموتى، فإنَّ اللهَ سُبحانَهُ لم يُجِب على السؤالِ إذ لن يرى إبراهيمُ كيف تمَّ التجميع من على بُعد؟  ثُمَّ لِمَ التعبُ؟ لِمَ أربعة؟ لِمَ طيور؟ لماذا يصرهُنَّ إليه؟

أليسَ من الأسهلِ أنْ يذبحَ شاةً ويجعَلَها أمامَ عينَيه، ثُمَّ يدعوها فتتجمعَ أمامَ ناظِريه وينتهي الموضوع؟ فإنْ لم يُجِبْ سُبحانَهُ على السؤال، فلابدَّ وأنَّ السؤالَ ليس كما يُعتقد!

وخصوصا أن إبراهيم سأل ربه تعالى أن ((يريه)) ولكنه تعالى فعل عكس ذلك ولم ((يريه)) كيفية إحياء الطائر الميت إذ أمره بوضع الطير (( بعيدا )) عنه على رؤوس الجبال.


كما إن الأمر بأربعة طيور لا شك سيؤدي لتشتت الفكر والنظر إذ كيف لإنسان أن يرى إحياء أكثر من مخلوق في آن واحد ومن على بعد؟   




فما كان سؤالُ إبراهيم؟ وما الحِكْمةُ من الآيةِ؟  


وَإِذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْى الْمَوْتَى، قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن، قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى، قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً، وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ {البقرة : 260 }


يقولُ تعالى:

يأيُّها الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُواْ لله وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم  لِمَا يُحْيِيكُمْ 
{الأنفال : 24 }

نلحظ "الدعوة" و "الإحياء"  تماما كما في قصة الطير.
فالحَياةُ والموتُ تعنيانِ الهُدَى والضَلالَ كما هو مصرح به في مواضعَ عدةٍ من المُصحفِ الشريفِ. فيُتَحَوَّرُ سؤالُ سيِّدِنا إبراهيمَ إلى: ربِّ أرني كيف تَهدي الضَّالينَ؟


فكان جوابُ الله تعالى بأنْ خُذْ أربعةَ طيورٍ (أو أرْبَعَ مجْمُوعاتٍ أوْ أنواعٍ منها). ثمَّ قُمْ بالاعتناءِ بها وأظهر لها المودةَ والحبَّ لفترةٍ كافيَّةٍ من الزمنِ حتى يأتلفوكَ ويعرِفوكَ ... وعلِّمها الأصواتِ أو الإشاراتِ التي ستعرِفُك وتُمَيزُكَ بها ... ثُمَّ أطلقهم بعيداً عنك على رؤوسِ الجبالِ ثُمَّ ناديهم بما علَّمْتهم، فستجدُهم يأتونك وما ذلك إلَّا لمعرفتِهم بك ولِحَنِينِهم وشَوقِهم إليك ... 


وهكذا تتمُ هِدايةُ الناسِ يا إبراهيم ... فاللهُ سُبحانَهُ يُكْرمُهُم ويغْرُزُ في داخِلهِم الحُبَّ والوِدَّ لمدةٍ من الزمن ...  فلو ضلَّوا بعد ذلك وابتعدوا عنه سُبحانَهُ سيُنادِيهم إلى رَحْمته كلٌ بطريقةٍ تُناسِبهُ، ويُذكرُهُم بأيام الهُدَى والرِضى والقربِ منه ... فيتذَكَّروا الأيامَ  الخَواليَ، فيَحِنُّوا إليها وإليه لمعرفتِهم السابقةِ بها وبه ... فيتركون ما هم عليه من المعاصِي والظلماتِ ويأتونَه مُسرعين طائرين تائِبين ...


أمَّا لماذا اخْتارَ سُبحانَهُ الطيرَ عمَّا سِواها من الحيواناتِ فذلك لأنَّ الطيرَ من أكثرِ الكائناتِ الحيَّةِ نُفْرةً من الإنسانِ. فهي بطبيعتِها برِّيَّةً طليقةً ترفضُ الأسرَ والأُلفَة. فيكونُ استعماُلها في هذه التجربةِ خيرُ دليلٍ على نجاح الطريقة، فلو نجحتْ مع الطيرِ فسوفَ تنجحُ مع الإنسانِ ...


وقولُه تعالى: وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ  عَزِيزٌ حَكِيمٌ ... فهو تأكيدٌ لمنظورنا. أي أنَّه سُبحانَهُ عزيزٌ بحيث أنَّ الذنوبَ لم تكن لتمنعَهُ من المغفرةِ، وأنَّ ابتعادَ الإنسانِ عنه وضلالَه لم يكن ليُنقِصَه سُبحانَهُ شيئاً. فهو يغفرُ الذنوبَ كلَّها وهو العزيز .... لِذَا ارتبطَ اسمُ العِزةِ مع المغفرةِ في عدةِ مواضِعَ من القُرآن ...


إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ 
فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ {المائدة : 118}


أيْ رَبَّاه لم تكن ذُنوبُهم لتنقِصُك وأنت  العزيزُ  فأغفرْ لهم ... فإن أنت حَكمتَ لهم بالمغفرةِ فقد تمَّت لهُم  ... فلا يحكمُ إلَّا أنت ... فأنت  الحكيمُ تحكم ... سبحانك ...


ما الحِكْمةُ من سؤالِ إبراهيم؟ لماذا يهتمُ إبراهيمُ بكيفيَّةِ هِدايةِ الضَّالين؟ بطبيعة الحال هذا من صميم رسالتِهِ وعَمَلِهِ. إذن لماذا لم يسألِ الأنبياءُ الآخَرون؟


وسؤالٌ آخرٌ: ما الذي أقلقَ قلبَ إبراهيمَ فلم يستطعِ الكتمانَ والصَبرَ فسألَ؟


هذا القلبُ الأواهُ المنيبُ الذي لم يسألْ ولم يعترضْ في مسألةِ تركِ زوجته وابنهِ الرضيعِ وسطِ الضَواري بلا ماءٍ وبلا طعامٍ ولم يسألْ أو يعترضْ عندما أُمِرَ بذبحِ ابنِهِ ... لِمَ قلِقَ قلبُه الآن؟ هذا الذي قال له ربُّه أسلمْ، قالَ أسلمتُ لربِّ العالمين ... هكذا من غيرِ ترددٍ ... لِمَ قلِقَ قلبُه الآن؟


تكمنُ الإجابةُ في قلب قلب إبراهيم لأنه:   قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى ....   


لو نظرنا إلى الأنبياءِ عليهم السلام نجِدُ تميَّزَ إبراهيمَ عنهم جميعاً بانشغالِهِ بذُريَّتهِ أكثر من سِواه. فقلما جاءَ ذِكْرُه من دونِ دعْوةٍ خالصةٍ باكيَّةٍ راجيَّةٍ لذُريَّتِهِ.  فعلى سبيلِ المثالِ وبالرغمِ من كَثرةِ وُرُودِ قِصَصِ مُوسَى، فإنَّه لم يردْ قط أنَّه دعا لذُريَّتِهِ! بل لا مُبالغةَ إذا قلنا أنَّ دعوةَ إبراهيمَ لذُريَّتِه تفوقُ دعواتِ الأنبياء مُجتمعين لذريَّاتِهم ... هو الأبُ الحنونُ لا ريبَ ... فلا غرابةَ وأنْ يكونَ أبا الأنبياءِ إذاً ...


فقلقُ إبراهيمَ عليه السلام قَلقٌ على هدايةِ ذُريَّتِه. ومن المعْلُوم عند الناسِ أنَّ القلقَ على الذُريَّة أشدُّ أنواعِ القلقِ ذلك أنَّ حبَّ الذُريَّةِ ينبعُ من القلبِ. والقلبُ هذا تحديداً مصدرُ الطمأنينةِ، ولكنَّه أيضاً مصدرُ القلقِ عند الإنسانِ ... فالقلب مَنزِلُ الحبِّ ومَنزِلُ الخوفِ في آنٍ واحِد ...


فالخوفُ ينْقَضُّ على الطمأنينةِ من بيتِها ومَكْمَنِها فَيَقْلِبُها رأساً على عَقِبٍ ... لذا فالخوفُ على الذُريَّة يقلِبُ كيانَ الإنسانِ ويتحكمُ بتصرفاتِه وكُلِّ أحوالِه ... وكلَّما زادتْ حِنيَّةُ القلبِ، زادُ حُبُّها لذُريَّتِها، وكلما تعلقتْ بها وقلِقتْ عليها ... وكان هذا هو حال سيِّدِنا إبراهيمَ عليه السلام ... أبو الأنبياء ...


فقلقُ إبراهيمَ عليه السلام واضْطِرابُ قلبِه إنَّما هو قلقٌ على هدايةِ ذُريَّتِه، الذرية التي وعده تعالى باستخلافها الأرض.


والجبالُ تومئ إلى أنَّ إبراهيمَ عندما سأل ربَّه كيف يهْدي الضَّالين كان في منطقة بها الكثير من الجبالِ المتقاربةِ القِمَمِ فيُمكنُ للإنسان توزيعُ الطيرِ على رؤوسِ الجبالِ بدون مَجهودٍ كبير. فذِكْرُ الجبال في الآيةِ إشارةً إلى المكان الذي كان به إبراهيم عندما سألَ عن كيفيّةِ هدايةِ الضَّالين.


لكن اختيارَ رؤوسِ الجبال كنقطةٍ لهداية الناس يتضمنُ حِكَمةً أبلغ. فمن المعلوم أنَّ الصدر يضيق على قِممِ الجبال لقلةِ الأكسجين (الحياة) فيها مقارنةً بما دونها من الأماكن. فتكونُ الإشارةُ من اختيار رؤوس الجبال لهداية الناس هي إخراجُهم من الضيقِ إلى الانشراح بالهُدى ... وهي السنَّة الكونيةُ بإخراج الشيءِ من ضِدِّه ...


فالجبلُ في الآيةِ هو نُبُوءةٌ حقيقيةٌ لمكان هداية ذُريَّةِ إبراهيمَ بعد آلافِ السنينِ من سُؤالِه عن كيفيَّةِ هدايةِ الضَّالين. أمَّا لماذا أربعةٌ من الطيرِ فنقولُ أنَّ ذلك يستهدف أربعةٍ من ذُريَّةِ إبراهيمَ يأتونَ على أربعةِ مراحل منفصلةٍ كما هي قِممُ الجبالِ مُنفصلة عن بعضِها البعض وهم:



1)   مُوسَى عليه السلام : نعلمُ أنَّ مُوسَى  نُودِيَ  إلى منطقةٍ جبليَّةٍ وأنَّ الله تبارك وتعالى كلَّمَه وهو بجانبِ جبلِ الطور ....  تأملْ في الكلماتِ التاليَّةِ من سُورةِ طه وتحديداً مَعاني المَغفرةِ منه تعالى وسَعْيَّ وتعَجلَ مُوسَى إلى  نداءِ  ربِّه:


وَإنى لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى {82} وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يامُوسَى {83}  قَالَ هُمْ أُولاءِ على   أَثَرِى  وَعَجِلْتُ  إِلَيْكَ  رَبِّ  لترضى   {طه:82-84}


ومن الأعرافِ مَجِيء مُوسَى إلى (الميقات) في الجبلِ، وعدُ اللهِ تبارك وتعالى لإبراهيمَ بهدايةِ ذُريَّتِهِ على رؤوسِ الجبال:


وَلَمَّا جَاءَ موسى    لمِيقَاتِنا   وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ،
قَالَ لَن تَرَانِى وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى {الأعراف:143}


وناديناه   من   جانب   الطور   الأيمن   وقربناه   نجيا {مريم:52}



2)  نبيُ الله داودُ : إذ تكررَ  ذِكْره مُرادفاً للطيرِ وللجبالِ والتسبيحِ والإنابةِ والعودةُ لله تعالى:


وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأيْدِ، إِنَّهُ أوَّابٌ  {17}  إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ   بِالعَشِىِّ  وَالْإِشْرَاقِ  {18}  وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً  كُلٌّ لَّهُ أوَّابٌ  {ص:19}

وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً:  وهذا يُذَكِرُنا بقصةِ إبراهيمَ في سورة البقرةِ مع الطيرِ "فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ  فَصُرْهُنَّ  إِلَيْكَ" أي أحشرهُنَّ  إليك ...  فكما عادتِ الطيرُ إلى إبراهيمَ في آيةِ البقرةِ، عادَ داودُ إلى رَبِّه ... وكُلُهم إليه سُبحانَهُ، أوابٌ ...


وفي الأنبياءِ:

وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ  الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ، وَكُنَّا فَاعِلِينَ {الأنبياء:79}

وَكُنَّا فَاعِلِينَ ... نعم .. فاعِلينَ لوعدنا لإبراهيم  في البقرة ...


ومن سبإ :

إِنَّ فِى ذَلِكَ لـءَـايةً لِّكُلِّ عَبْد  مُّنِيبٍ {9} وَلَقَدْ ءَاتَينَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً،  ياجِبَالُ  أَوِّبِى مَعَهُ وَالطَّيْرَ، وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ {سبإ:9-10}

فيا جبالُ ... ويا طَّيْرُ أوِّبُوا وعُودُوا مع دَاودَ إلى الله  ... كما أوَّبتْ طيورُ إبراهيمَ إليه ... فتلك دَعْوَةُ إبراهيمَ ...



3) سيِّدنا محمد صلى الله عليه وسلم: وقد كان على رأسِ  جبلِ النور  عندما جاءَه نِداءُ الوحيِّ أوَّلَ البِعثةِ ... هنا أنا لا أقول بأنَّ سيِّدي محمداً كان ضالًّا قبل البعثة ... فهو لم يضلْ قط. فالهدايةُ بعد الضلالِ بالنِسْبةِ لسيِّدنا محمدٍ هي الوَحْيُ بعد الحيرةِ التي كان بها قبل البعثة، وكما جاء في سورة الضحى:  وَوَجَدَكَ  ضَالّاً  فهدى   {الضحى:7}

4) أحد الأنبياء من ذرية إبراهيم


فقد كان إبراهيم قلقاً من ضلال ذريته فسأل كيف يمكن إحياء وهداية الضآلين من ذريتي؟


وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ ءامناً وَاجْنُبْنى وَبَنى أَن نَّعْبُدَ الأصنم {35} رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنى فَإِنَّهُ مِنى وَمَنْ عَصَانى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ {36} رَّبَّنَا إنى أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصلاة فَاجْعَلْ  أَفْئِدَةً  مِّنَ  النَّاسِ  تَهْوِى  إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثمرات لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ {إبراهيم:37}


في سياقِ موضوعِ أمرِ استخلافِ ذرية إبراهيم نجيبُ عن لماذا استجابَ سُبحانَهُ لإبراهيمَ جميعَ دعواتِه عدا واحِدةٍ، وواحِدةٍ مُهمةٍ  وهي تجَنِب ذُريَّته عبادةَ الأصنام:


فنعلمُ الشركَ الذي أصابَ كثيرا من قريش، وهم نسلُ إبراهيم ... فلماذا؟ للجوابِ نقولُ أنَّ الله تعالى مُجيبُ الدعاءِ وإن لم يجبْ دعوةً بعينها فإنَّه يُعطي خيراً منها. فإنْ كان هذا للناسِ عَامَّةً فلابدَّ وأنْ يتحققَ لسيِّدِنا إبراهيم .     




فاللهُ سُبحانَهُ لم يَستجبْ للدعوةِ لأنَّها تُخالفُ أحدَ أهمَّ النواميسِ الإلهيَّةِ وهي إخراجُ الشيءِ من ضِدِّهِ. ولكنَّه تعالى أعطاهُ خَيراً منها وهو أنْ تكونَ ذُريتُه نوراً للعالمين، أبَدَ الآبدين. وهذا النورُ لابدَّ وأنْ يخرجَ من الظلماتِ لِيتَحققَ الناموسُ الإلَهيُ بإخراجِ الشيءِ من ضِدِّهِ. وهو ما حَصَلَ بالفعلِ، فخرجَ نورُ سيِّدِنا مُحمدٍ، سَيِّدُ العالمين، من بين ظلماتٍ مُوغِلةٍ في الوثنيَّةٍ ...



سياقُ الآيةِ 260 من سُورةِ البَقَرَةِ

سياقُ الآيةِ التي سألَ فيها إبراهيمُ ربَّه عن كيفيّةِ هدايةِ الضَّالين يؤكدُ ما ذهبتُ إليه من تأويل. فإذا عُدنا إلى الآيةِ 255 نجِدُ آيةَ الكرسي التي يعني اسمها الاستخلاف والملك وقلنا أنَّ سؤالَ إبراهيم كان حولَ هدايةِ ذُريَّتِه واستخلافِهم ومُلكِهم ...


ثم في الآية 257  نجِدُ كلاماً عن  الهدايةِ  والعودة وتكفل الله تعالى بذلك: اللهُ وَلِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ ... {البقرة : 257 }


ثم في الآيةِ 258   يذْكُرُ سُبحانَهُ   المُلكَ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَاجَّ إبْرَاهِيمَ فِى ربِّهِ أَنْ ءَاتَـاهُ اللهُ  الْمُلْكَ ... {البقرة: 258 } ...


ثم في الآيةِ 259   نجدُ كلاماً عن غائبِ بني إسرائيلَ (عُزير)، وهذا إشارةٌ إلى نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم. وتأكيداً على موضوع الهداية، فإنَّ عُزيراً كان يسألُ ربَّه أيضاً عن الإحياءِ:


أَوْ كَالَّذِى مَرَّ على قَرْيَةٍ وَهِى خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا قَالَ أنى يُحْىِ هَـذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ... {البقرة: 259 }


فسؤال النبي عزير لم يكن عن إحياء الأجساد في قريته، بل عن إعمار القرية وعودتها للحياة وازدهارها بعودة الناس والحياة إليها.


لذا فقد أماته تعالى مائة عام لأن مائة عام كفيلة بعمران  القرية مرة أخرى. وفي نفس الوقت أماته تعالى وحماره لنفس المدة ثم قال له كما أحييتك الآن بجسدك فقد أحييت القرية.

فهنا نجد ما يماثل المشبه والمشبه به. والمشبه هو إحياء القرية والمشبه به هو إحياء عزير وحماره.



وكذلك الحال في آية الطير إذ كان إبراهيم يسأل نفس سؤال عزير: لقد وعدتني ربي باستخلاف ذريتي (بعد رؤيا ذبح إسماعيل) ولكني لا أفهم كيف لأمة ميتة أن تدب فيها الحياة من جديد؟ 

فضرب له تعالى مثلا كما هو مثل عزير والمشبه هو الطيور الأربعة والمشبه به هو إحياء الأمم الميتة الضالة على يد الأنبياء من ذريته.

في الحقيقة لنا أن نسأل نفس السؤال الآن: كيف يمكن لأمة الإسلام التي نعرف بوضعها الفكري والاقتصادي المتخلف وفي نفس الوقت تعود لتحيا من جديد وتنافس الأمم  المتقدمة؟ كيف؟

هذا سؤال مشروع إذ إننا لا نسأل بسبب عدم إيماننا بل نسأل عن كيفية الإحياء.

وتأكيداً على منظورنا لآية الطير، نجِدُ أنَّ الآيةَ التاليَّةَ لها:


مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ
وَاللهُ يُضْاعِفُ لِمَن يَشَاءُ، وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ {البقرة: 261 }


والمُنفِقُ هنا هو سيِّدنا إبراهيم عليه السلام ... والإنفاقُ ليس بالمال بل بعمله الصالح:  

وَإِذِ ابتلى   إبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ، قَالَ إنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً، قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِى، قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ {البقرة : 124}


ثُمَّ بعد ذلك تأتي الآياتُ {262-281} إذ تتحدثُ في مُجْمَلِها عن الإنفاقِ في سبيلِ اللهِ ومرضاتِه والإخلاصِ في ذلك وما يصاحبُه من بركةٍ وزيادةٍ، ونقيضُ ذلك من البُخلِ والإمْساكِ والربا وما يصاحبُه من حَرقٍ ومَحقٍ وضَياع.  


إنَّ هذا الوعدَ باستخلافِ ذريَّةِ سيِّدِنا إبراهيمَ الأرضَ ذُكِر في أماكنَ عديدةٍ من المُصحفِ الشريفِ كما في سُورةِ هود: 


وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إبْرَاهِيمَ  بالبشرى   قَالُواْ سَلَاماً، قَالَ سَلَامٌ، فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ {69} فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً، قَالُواْ لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى   قَوْمِ لُوطٍ {70} وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَهَا بِإسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إسْحَاقَ يَعْقُوبَ {71} قَالَتْ يَاوَيْلتَى ءَألِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِى شَيْخاً، إِنَّ هَـذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌ {72} قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله، رَحْمَتُ الله وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ  إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ {73} فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى  يُجَدِلنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ {74} إِنَّ إبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أوَّهٌ مُّنِيبٌ {هود:75}



فأمرُ الله تبارك وتعالى والبُشرى  في الآياتِ أعلاه من سُورةِ هُود ليس كما يُفهَمُ عادةً من أنَّها قدرتُه تعالى على جَعْلِ امرأةِ إبراهيم تحْمِلُ وتلِدُ بعد العُقم وحسب ... بل هو أوسعُ من ذلك وأشملُ ... فهو الأمرُ باستخلافِ ذُريَّةِ إبراهيمَ المباركة الأرضَ وهذا لا يكون إلَّا بجَعل هذه  الذُريَّة المُباركة الحيَّة تخْرج من بَطنِ عَجوزٍ عَقيمٍ  تماماً كما هي السُنَّةُ الكونيَّةُ بخروجِ الشيءِ من ضِدِّهِ  كخروجِ الحيِّ من الميِّتِ والنور من الظلماتِ والهُدى من الضلالِ ....


فالإعجاز ليس أنْ تَلِدَ امرأةُ إبراهيمَ بعدَ عُقْمٍ. لأنَّه لو كان الحالُ كذلك فسيكونُ السؤالُ فلِمَ وقعتْ هذه المُعجِزَةُ لها من دونِ غيرِها؟ فزوجةُ إبراهيمَ اختيرت لهذا الإعجاز لتكونَ أمَّاً للأنبياءِ والخُلفاءِ وللذُرِيَّةِ المُباركَةِ الحَيَّةِ، ولأنَّ بطنها سوفَ يُخرِجُ هذه الذُرِيَّةَ المُباركَة الحَيَّةَ وَجَبَ أنْ يكونَ عَقيماً كي تَتِمَّ السُنَّةُ الكونيَّةُ الأزليَّةُ بإخراجِ الشيءِ من ضِدِّه ... والتي تكلمنا عن الحِكمة منها بالتفصيل في أماكن أخرى ...


مما يؤكدُ صِحَة ما ذهبنا إليه هو أنَّ الله تبارك وتعالى أسْمَى ابنَ زكريا  "يَحْيَى" وهو اسمٌ يدلُّ على الحياةِ وذلك لِكون امرأةُ زكريا "عاقِراً" ... فالحياةُ تخرجُ من رَحَمِ الموتِ ومن رجلٍ وهنَ منهُ العظمُ واشتعلَ الرأسُ منه شيباً ...



سبحانه وتعالى عما نقول علوا كبيرا
والصلاة والسلام على سيدنا محمد وإبراهيم وأنبياء الله أجمعين
وعلى ذريّاتهم  
ومن سار على هديهم إلى يوم الدين