في ثاني ظهور له من منبر البيت الأبيض، زفّ سيادة الرئيس الأمريكي جو بايدن مبشرا متهلل الوجه نبأ إطلاق سراح الناشطة السعودية لجين الهذلول ...
وتعحبت في مقال منشور حينها عن
أهمية الأمر عند الرجل الطاعن في السن، بالرغم من أن لفظه لاسمها كان مضحكا، كما كنت أضحك عندما كان صديقي الصيني يلفظ اسم
ولاية " ماساتشوستس " ...
فـ لجين شابة منطلقة بكل ما
تعنيه الكلمة، وأحسب أنها كانت سعيدة، ولربما أكثر سعادة من بايدن وأولاده، قبل أن
تعتقل، وأثناء اعتقالها، وبعد خروجها ...
فما الداعي لزجّ الأنوف خلف جدارن
الدول الأخرى بكل هذه الفجاجة والسطحية والازدواجية الصارخة في المعايير ؟؟؟
هل لا يعلم الرئيس عن عشرات الدول
التي لم يسمع بها أحد وتعجّ بالبؤس والجهل والفقر والمرض والعطش ؟؟؟
ولا أدري إن كان – وهو السياسي
المخضرم - يعلم عن مئآت آلآف من مواطنيه المشردين تحت ظلال ناطحات السحاب في المدن
الأمريكية ؟؟؟
أو عن صنوف الممنوعات والمهلوسات
التي تعصف بالشباب والأطفال في مدارس أحفاده ؟؟؟
أو الجرائم والانتحار ؟؟؟ والعنصرية
في كل حيّ ؟؟؟
أو البطالة المرتفعة، والدخول
المنخفضة، والديون المتراكمة على معظم أفراد المجتمع ؟؟؟
أو أن أمريكا نفسها تعتمد على
الأجانب في معامل الأبحاث والجامعات والتقنيات الحديثة ،،، بينما الأمريكيون هجروا
التعليم إلى العمل في المطاعم والحانات ومواقف السيارات، معتمدين على البقشيش والمعونات
؟؟؟
أو هل كان الأجدر به أن يتمعن في
البنى التحتية التي تهاوت خلال اليومين الماضيين جراء الفيضانات والأعاصير وشردت
الملايين من البؤساء في عاصمته المالية نيويورك
؟؟؟
أو ربما كان له أن يلتفت للوضع في
أفغانستان ويعمل على إنسحاب "مُشرّف" بدلا عن الفوضى العارمة والمسخرة
التاريخية المذّلة ... والهروب بالتعلق
بكفرات الطائرات ...
هل كانت لجين الهذلول بكل هذه الأهمية للدولة العظمى في العالم – أو كانت
عظمى - ؟؟؟
بالتأكيد لا ،،، ولو محيّت دول
كاملة عن الخارطة فلن يكون ذلك بأي أهمية في حقيقة الأمر ،،،
لأن الموضوع يا سادة متأصل في جوهر الديموقراطية !!!
فطالما أن المنصب يكون بالاقتراع
الشعبي ،،، وطالما أن الشعوب تُساقُ بسهولة خلف نزواتها و خلف كل لامع ومثير وشَبِق
،،، إذن لا يصبح الرئيس رئيسا إلا بعد إرضاء الجمهور بالضربات الإعلامية والخبطات
الصحفية والقضايا السخيفة التي يعشقها الجمهور ويجري خلفها كالمجنون ...
أو كما في المثل الشهير: أنت لا
تصطاد السمكة بالكعكة، لكن بالدودة العفنة ...
لأن الواقع المؤسف أن الإنسان مخلوق
أناني يهتم بالقشور وما يثير غرائزه ويشبع فضوله ونزواته، ونحن نشهد على هذا أمام أعيننا ...
فالإعلام السمج الهابط (هابط فكريا
وهابط للجزء الأسفل من الجسد) يحصد مليارات المشاهدات كل ساعة، حيث تشخص إليه
أبصار الناس و أفئدتهم التي تشعر الملل من كل شيء ، فتبحث عن "الـفرفشة" و "الفضفضة" تستجدي
إفرازات غدد هرمونات الإثارة ...
حتى وهم يقودون سيارتهم، أو يمضغون
الطعام في أفواههم، أو ينامون على جنوبهم، أو يتكلمون مع بعضهم ،،، في كل وقت هم
يهرعون إلى شاشاتهم ...
بينما يستميتُ المفكرون والباحثون لسنوات
من العمل المضني، ليحصدوا في النهاية بضعة
مشاهدات، وبضعة ردود عقيمة مريضة ...
وطالما أن جموع الناخبين لا ينظرون
للمستقبل البعيد والاسترتيجيات بعيدة الأمد ، ولا يهمهم إلا محصول يومهم من الطعام
والفرفشة والاثارة، طالما هذا هو الحال، فلن يذهب المجتمع إلا في طريق الدائرة
المغلقة (vicious circle)
حيث لا يزداد الوضع إلا سوءاً ... فشركات الإعلام واستطلاعات الرأي تبحث عن
"الأحداث اللافتة المثيرة" لتربح وتتوسع، أي إن نطاق عملها هو الإثارة
الناتجة من المرشحين للمناصب ونجوم الفن والرياضة والمشاهير ... وبالمقابل المُرَشحون
والنجوم والمشاهير يبحثون عن وسائل الإعلام ليزدادوا شهرة ... فينفخ كل في الآخر ... ويزداد الانحدارا عند كل دورة انتخابية ... لا فكاك ...
لهذا، المخاطر التي تهدد المجتمع
بالتدريج بدون إثارة وبريق إعلامي كالأمراض المزمنة التي تنتشر بصمت وتدرج ،،، أو
الآفآت الأخلاقية والاجتماعية والأسرية والتدهور في التعليم التي تنخر بنيّة
المجتمعات ببطء ،،، أو الافساد في الأرض بتلويث بيئتها وتغير الحياة الفطرية
والصيد الجائر في البر والبحر ،،، أو
التغيرات في أسس التكوين الجيني للإنسان والنبات والحيوان نتيجة الطعام الملوث المدعّم
بالهرمونات والمواد الكيميائية الحافظة ،،، أو التغيرات والتشوهات الجينية بسبب تأثيرات الأشعة الكهرومغناطيسية الناتجة عن
أجهزة الاتصال والتقنيات الحديثة ،،، كل ذلك لن يكون مهما عند صانع القرار المرشح
للمنصب، لأن جمهور المنتخبِين أصلا لا يهتمون بهذه المسائل بقدر اهتمامهم بـ
"هروب فتاة" من أهلها، أو حرية معتقلة، أو طفل ناجي من تحت ركام ... أو
بضعة عمال مناجم دفنوا أحياء ... أو طلاق أحد النجوم ... أو مقطع فيديو "مُسرّب"
أخذ الأضواء ...
وهذا يفسر هرولة الرؤساء المنتخبون
لالتقاء الصور مع ضحايا الكوارث ،،، بدلا عن العمل الجاد لاصلاح أسس المشكلة ...
و كمثال آخر نجد اهتمام الديموقراطيات
- الغير منطقي – بمواطنيهم الأسرى في الدول الأخرى لدرجة دفع مئآت الملايين من
أموال الشعب لتحرير أسير واحد، وهذا في الوقت الذي يموت المئآت يوميا من حوادث
السيارات والمخدرات والجرائم في يوم واحد ... لذا أصبحت الديموقراطيات رهينة سهلة
للمجموعات الإرهابية ، وهذا يفسّر ارتفاع أسهم مصر بعد أزمة صواريخ حماس تجاه المدن
الإسرائلية حيث تحاورت مصر مع حماس "الإرهابية"، أو إرتفاع أسهم دولة
قطر لمساعدتها في ترحيل الأفغان بعد عجز الإدارات الديموقراطية المترهلة بالفساد
والقوانين المتراكمة عن التحاور مع طالبان "الإرهابية" ...
إذن، الدولة الديموقراطية بما تحويه من مئآت الملايين من المواطنين مرهونة بقرارت الرئيس، والرئيس رهين للصحافة والإعلام، والصحافة رهينة للقضايا السطحية السخيفة وللخبطات الصحفية، وهذه السبقات الصحفية يملكها الإرهابييون والنجوم في كل الميادين، وكل من يجيد اللعب على "الإثارة" ... هذا هو النفاق والنجاح "الزائف" الذي يلهث خلفه السياسيون ، من أجل الانتخاب ...
ومن مشاكل الديموقراطيات هو عدم
الاستقرار في النهج العام ، حيث يتم إنتخاب حزب جديد كل 4-5 سنوات، ليأتي ويمحو كل
ما قام به سلفه ...
ولدينا أوضح الأمثلة من البلد
الأكبر الداعي للديموقراطيات، أمريكا ...
ففي عهد أوباما تم صرف المليارات من
أجل وضع النظام الصحي المسمى بـ أوباما كير، فجاء خلفه ترمب ليلغيه من أول يوم له ...
أو الاتفاق النووي مع إيران ، أو
معاهدة باريس للمناخ، أو العلاقات الدولية مع كل دولة على حدة ،،،، فكل ذلك تم
تغيره ومحوه بالكامل ،،، ولك أن تتخيل الجهود العظيمة والأموال التي أنفقت لكل من
هذه المشاريع الضخمة، ليأتي من يمحوها بجرة قلم ...
ولك أن تتخيل كمية الجهد والانفاق
والفساد الذي يحصل عند كل عملية انتخابية من كل المتنافسين ... دعايات في كل مكان ،،، أعلام في الأيدي وأخرى
على الطرقات، رجال ونساء يقفون في الشوارع يصرخون، ولائم يحضرها الناخبون ، تبرعات
، مؤتمرات، مشاحنات ،،، دراسات إستطلاعات الرأي عن تأثير كل عطسة من هذا
الطرف أو ذاك ... كيف ظهر المرشح في الحوار، أناقته، سيطرته، ردوده، مراوغته ،
أعجب النساء ... كل هذا من التشتيت والهدر المالي والنفسي والاجتماعي الذي لا يصب
في صالح المجتمع ولا في وضع الخطط والاستراتيجيات بعيدة الأمد ...
ونذكر كيف كانت الحوارات التلفزيونية
بين ترمب وبايدن عقيمة مملة طفولية مشاغبة ، لا ترقى حتى لحوارات أولاد المدارس ...
والأدهى أن الإنتخابات ليست حصرا
على الرئاسة والنواب ،،، بل هناك ما لا يحصى منها على مستوى كل ولاية ومقاطعة ومدينة
وقرية وشارع، وجامعة ومدرسة ،،، عدا الانتخابات في آلآف النقابات والنشاطات
العلمية والاجتماعية والصناعية والتقنية والترفيهية والسياسية والرياضية وما يتفرع
منها ...
ثم وبعد كل هذا، هي ليست ديموقراطيات
بالمعنى المفهوم الحقيقي ... هي في الواقع تتحول وبالضرورة إلى إمبروطوريات مقنعة بالديموقراطية
...
فليس بمقدور أي إنسان أن يصبح رئيسا
أو عضوا في مجلس النواب كما يدّعون ، ولا
حتى رئيس جامعة أو عمدة مدينة ...
فطالما أن "الشهرة" هي
السبيل الوحيد لنيل الأضواء وبالتالي الأصوات الانتخابية ،،، فيجب أن يكون المرشح مشهورا
سلفاً (رونالد ريغان – آرنولد شويزنيغر) ،،، أو غنيا فيستعمل ماله لتسليط الأضواء
(بوش الأب - ترمب) ،،، أو مهادنا للأحزاب الموجودة فيوضع في المنصب كذر للرماد في العيون (أوباما) ...
ثم عندما يتم تنصيب مسؤول، فسرعان
ما يجهز أقربائه – كونهم مشهورون الآن – لينالوا ذات المنصب بعده (بوش الابن – عائلة
كندي – كلينتون الزوجة ) ... فلا تتعجب والحال هذه أن يحكم أمريكا أحفاد بوش أو
أبناء كلينتون وأوباما لأن الطريق ممهد أمامهم ، دون غيرهم ...
في الحقيقة لا مفر من الأمر الواقع، وهو أن الملكيات والامبروطوريات هي الأكثر استقرار وثباتا في التاريخ ...
فالفراعنة حكموا لآلآف السنين،
وكذلك الممالك الأوربية والتي لا تزال موجودة ، والدولة العباسية التي حكمت لنحو
500 سنة، ثم العثمانية، ثم الممالك الصينية واليابانية ...
حتى في التاريخ الإسلامي، فإن ما
قيل أنه حكم ديموقراطي راشد أثناء فترة الخلفاء الأوائل الأربعة، فقد كان دمويا
ولم يستمر إلا لثلاثة عقود، ليعود فيستقر بالنظام الوراثي ...
وبالنسبة للديموقراطيات الحديثة،
فهي لا تحمل من الديموقراطية إلا الاسم ،،، إذ سرعان ما تتجه الأنظمة المنتخبة
للتحول نحو الملكيات ...
ولدينا كل الأمثلة من حولنا ...
سوريا ليست ملكية، لكنها أصبحت كذلك
،،،
لبنان جمهورية، لكن يحكمها في
الحقيقة أبناء ملوك الطوائف ...
مبارك في مصر كان في طريقه لتوريث
أولاده الحكم لولا الثورة ... القذافي ، ولا زال ابنه يحاول ... علي عبد الله صالح
... صدّام لولا الحروب والغزو ... كوريا الشمالية ... الصين ...
ولو نظرنا لرأي الإسلام في الموضوع،
فقد قرر القرآن أن هذه المسألة تخص المجتمع ليقرر فيها ما يراه مناسبا حسب الظروف
المكانية والزمانية:
وَالَّذِينَ
اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (الشورى:38) ...
فكلمة "شورى" هنا لا تعني
الديموقراطية والانتخاب كما يعتقد الكثير ، بل تعني "ما يراه المجتمع"
في هذا الشأن، فلو أقرّ أولوا الأمر والحكمة نظاما مناسبا ، فالقرآن لا يعارضه
طالما أن الحقوق والدماء والأموال والكرامات محفوظة ...
وهكذا، سواء بدأت بالملكية أو
بالديموقراطية أو بالشيوعية ،،، فالنهاية والاستقرار سيكون للملكية التوريثية ،
لأنه النظام الأكثر استقرار ... والاستقرار هو العامل الرئيسي للنماء والازدهار
...
د. نبيل أكبر ...
حرر في 5 / سبتمبر / 2021 ...