السبت، 30 أكتوبر 2021

معنى النسخ من القرآن ...

 


تعريف "النسْخ" من كتب التفسير والفقه هو أنْ يُمْحَى حُكْمٌ شرعيٌ من القرآن بحُكمٍ شرعيٍ من آية أخرى، والدليل للقائلين بهذا التعريف – وهم جمهور المذاهب الإسلامية – هو آية سورة البقرة:

 

مَا نَنسَخْ مِنْ ءايةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ {البقرة: 106}

 

حيث فُهِمَت " نَنسَخْ " بمعنى "نمحو ونزيل" ...

 

وعملية النسخ هذه ليست مسألة جانبية عَرَضية، بل بالقرآن مئآت الآيات المنسوخة، والأدهى أنها تختلف من مذهب لآخر، ومن "فقيه" لآخر، ومن زمان لآخر ... فالآية الفلانية قد تكون منسوخة عند فلان، بينما ليست كذلك عند غيره، فهي إذن اختيارات واجتهادات بشريّة خالصة ...

  

والغريب فعلا، أن معنى "النسخ" من القرآن والمعاجم هو النقيض لـ "المحو" بالضبط، إذ معناه هو "الطّبْع والتكرار التام" !!! 

فنقول لغة نسَخ الكتابَ أي نقله وكتَبه حرفًا بحرف ... نسخ فلان الشعر: أخذ اللفظ والمعنى من غيره ... نَسَخَ الوَثِيقَةَ : صَوَّرَهَا ...

 

وحتى في لساننا الدارج نقول "عندي 20 نسخة من الوثيقة" أو "سعر النسخة من الكتاب بكذا" ،،، أي "الطبعة" ...

 

  

كذلك، لو أراد القرآن معنى "المحو"، لاستخدم كلمة " يَمْحُوا " والتي وردت بمعنى "الإزالة" صراحة في أكثر من موضع:

 

يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (الرعد:39) ...

وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ... (الإسراء:12) ...

 

حيث يتضح بصورة لا لبس فيها أن المحو في آية الرعد هو "الازالة" لأنها وردت في نقيض "التثبيت" ... وبمعنى "الطمس" حيث وردت نقيض "الابصار" في آية الإسراء ...

 

 

وهكذا، ولأن "المحو" ورد بلا أي لبس بقصد "الازالة" و "الطمس" ، فلا نجد مبررا لأخذ "النسخ" بنفس معنى "المحو" في أي مكان في المصحف ...

 

  

 

وندرس تاليا الآيات التي وردت فيها كلمة "نسخ" لنقرأ المعنى من القرآن نفسه، لأن منهجي في التأويل هو أنه "لا ترادف" في مفردات القرآن ومعانيه، فالكلمة لا تأخذ معنى مختلف كل مرة ...

 

  

فقد وردت مفردات "نسخ" ثلاثة مرات في القرآن بالاضافة لآية البقرة أعلاه، وسنشرحها فيما يلي:

 

 

أولاً - آية الجاثية:

 

هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (الجاثية:29) ...

 

هل نفهم من الآية أن كتاب أعمالنا يُمْحَى يوم الحساب ؟؟؟ أو نفهم أنها تسجّل بحذافيرها كما تطبع الورقة بآلة التصوير بدون أي ضياع ؟ كما ورد في العديد من الآيات الأخرى:

 

 

وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ... (الكهف:49) ...

 

  

ثانياً - آية الأعراف:

 

وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (الأعراف:154) ...

  

لو النسخ هو المحو، سيصبح معنى الآية "وفي محوها هدى ورحمة" ، وهذا القول لا يمكن حتى تصوره ...

  

لكن إذا قلنا النسخ هو "الطبع" فيكون المعنى "وفي تطبيقها بحذافيرها" هدى ورحمة ... بمعنى عندما تطبق ما في الألواح "بالضبط" تنال الهدى والرحمة ... وهذا التأويل مذكور في أماكن أخرى كثيرة، مثلا:

 

وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ... (المائدة:66) ...

 

 

  

ثالثاً - آية سورة الحج:

 

وهي من الآيات القرآنية المستعصية:

 

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (الحج:53) ...

 

 وهي مستعصية لسبب أنه من المؤكد والضروري أن تكون أعمال الإله مناقضة لأعمال الشيطان ... فلو ألقى الشيطان فكرة، فالله تعلى سيمحوه، ولذا قال المفسرون أن "نسخ الله" هنا هو "محوه" لعمل الشيطان ...

 

 لكن، لو النسخ هو المحو، فكيف نفهم أن تكون "الأمنية الممحوة" فتنة للذين في قلوبهم مرض؟ أليس الأدعى أن لا تكون شيئا على الاطلاق لأنها مُحيّت ؟؟؟

 

 فكيف نفهم النسخ هنا ؟  

نعلم أن الأنبياء بشر يمرضون ويخافون ويحبّون ويبغضون ويحلمون ويتنمون مثلنا تماما، كما نتمنى أي غرض من الدنيا أو الآخرة ... 

والآية تقول أنه عندما يتمنى النبي شيئا فإن الشيطان يُلقي فيها، أي يضيف فيكون لها فيها نصيب، تماما كحال الواحد منا عندما يتمنى المال والأولاد والجاه، ثم يدخل الشيطان ليضيف في مخيلاته المزيد من هذه الأمنيات لدرجة الجشع أو الافراط ...

  

والآية تقول أنه عندما يحصل ذلك مع نبي، فإن الله لا يزيل ما ألقاه الشيطان من أمنيات، بل العكس، ينسخها أي "يطبّقها" ويحققها على الواقع لتصبح  هذه الاضافات الشيطانية فتنة للذين في قلوبهم مرض ...

 

 وكون أننا مفتونون مسألة مفروغ منها، فقد ورد أن الفتنة ضرورية للإنسان:

 

الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (العنكبوت:3) ...

إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (القمر:27) ...

وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ... (المدثر:31) ...

الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (الملك:2) ...

 

  

ويوجد لدينا مثال واضح صريح لهذا ...

فالنبي سليمان تمنى أمنية وهي أن يهبه الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، أي ملك الجن:

 

وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (ص:38) ...

 


 

وعندما ملكهم أصبح هؤلاء الشياطين أنفسهم فتنة للناس:

وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ...  (البقرة:102)

  

إذن، سليمان تمنى أشياء، ثم ألقى الشيطان إليه أمنية أن يملك الجن، فنسخ "أي أكّد" الله إلقاء الشيطان، ثم جعل الله تلك الأمنية فتنة للناس ...

  

رابعاً - آية سورة البقرة:

 

وهي أهم ما يستند عليها القائلون بأن "النسخ" هو "المحو" ...

 

مَا نَنسَخْ مِنْ ءايةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ {البقرة: 106}

 

 

كلمة " نُنسِهَا " من النسيء والنسيان والارجاء والغياب، فهي بهذا تحمل ذات معاني "المحو" ...

فلو اعتبرنا " نَنسَخْ " بالمحو فسنجد ما يشبه الحشو القرآني، وهو مالا يناسب وجاهة القرآن ...

 

 أما لو اعتبرنا " نَنسَخْ " بالتكرار والطبع، يصبح معنى الآية أشمل وأكمل، هكذا: ما نَنسَخْ "نكرر" من ءايةٍ ، أو نُنسِهَا "نؤخرها"، نأت بخير منه ...

  

هكذا وببساطة ...

كأن تقول للتلميذ: لا تتعجل، فما أكرره لك من نصائح ،،، أو ما سأخبرك به لاحقا ،،، سيكون خيرا لك عندما تدرك معناه ...

  

فما المقصود بـ "مَا نَنسَخْ مِنْ ءايةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا" ؟؟؟

سنفصل ذلك في مقال مخصص لأنه موضوع كبير منفصل بحد ذاته،

  

لكن بخلاصة :

معنى "آية" لا يقتصر على الـ 6236 آية كتابية بالمصحف، بل أشمل من ذلك ...

فمثلا، سورة الكوثر تحوي 3 آيات كتابية فقط ، لكن الحقيقة أنها تحوي المئآت من الآيات الأخرى الغير كتابية ، مثلا الحسابية، الفكرية، الكونية، وهكذا ... فكلمة "آية" تعني الابداع والجمال والتفرد والاتقان ، و ، و ، ... 

 

 

ولدينا الكثير من الأدلة القرآنية على هذا، فمثلا:

إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5) تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (الجاثية:6) ...

 

  

إذن المعنى هو: عندما ينسخ "يكرر" القرآن آية مثل " فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ " التي تكررت 31 مرة ،،، أو يكرر قصص الأنبياء، وغيره، فإن وراء هذا التكرار "آيات" إبداعية وإعجازية وكونية وتفكرية "أخرى" غير كتابية ومختلفة تماما ... وهذا معنى " نَأتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا " ...

أي ، صحيح أنه يوجد "تكرار" للآيات الكتابية، لكن هذا التكرار يحمل في طياته آيات وإعجازات وإبداعات كامنة خير من هذه المكتوبة الظاهرة ...

  

 

أمثلة:

عندما أعيد ذات النصيحة أكثر من مرة ، ففي المرة الأولى أسردها لتفهمها، لكن في المرة الثانية لا أقصدها بحدّ ذاتها، بل أقصد أنها بالذات لها "وزن" أكبر من النصائح الأخرى ... ولو أعدّتها ثالثة فقد أقصد بها "الوعيد" ...

 

وهكذا، كلما أعيد لك ذات النصيحة، فإني أضيف لك شيئا جديدا وبُعْدا مختلفا متعلقا بها ...

إذن، إعادتي لها لم تكن حشوا لفراغ، بل لغرض آخر ... وقد لا تدركها إلا مستقبلا ... 

 

 

ومثال آخر، هو أن التكرار يكمل معجزات حسابية وكونية وفلكية بخصوص أعداد الأحرف والآيات ... أي نعم قد لا تهتم أنت بها ولا تدركها، لكن لا القرآن أنزل من أجلك، ولا الأكوان خلقت لتنال رضاك أو موافقتك وفهمك ... فقد جُعِلَت لمن يأتي من بعدك ...

 

وهكذا، نستطيع غناء قصيدة بأكثر من لحن، وفي كل لحن رسالة مختلفة ... 

 

  

أما كلمة " نُنسِهَا " فهي أيضا لا تعني "المحو" ، بل تعني التأجيل ...

 

بمعنى أن فهم الآيات القرآنية والكونية لا يحصل في زمان واحد، وإنما تتنزل العلوم عبر العصور المختلفة، ولذا انتهت الآية بــ " أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ " ...

فـ  "القدير" لا تخصّ الامكانية والطاقة، بل تعني التقدير الزمني للأشياء وأن الله قدّر نزول الآيات والعلوم الكونية والقرآنية والأحداث عبر الزمان، وأن أسرار النسخ والتكرار مثلا لن تفهم وقت نزول المصحف، وإنما " نُنسِهَا " ونؤجلها للأقوام اللاحقة ...

  

فيكون معنى "ننسها" هو: عندما نُرْجِئ إنزال وإظهار الآيات الكونية والحسابية والبلاغية الكامنة في آيات المصحف الكتابية، فإننا سنظهرها في حينها مستقبلا عندما تبلغ العلوم الإنسانية المراحل المتقدمة المناسبة المهيئة لفهمها وإدراكها ...

 

  

وذلك لأن القرآن كان ولا يزال يتنزل عبر العصور لكل من اجتهد فيه حق جهاده مصداقا، للكثير من الآيات الأخرى، فمثلا:

وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (الإسراء:82) ...

وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (الإسراء:106) ...

لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (القيامة:19) ...

وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (مريم:64) ...

 

 

 

خامساً - آية سورة النحل:

 

فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100) وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (النحل:104)

 

  

الآية 101 من النحل أحد القرائن التي برّرت المحو، حيث تُفهَم بأن آية قرآنية تُسْتَبْدَل بأخرى ...


  

ولكي نفهم هذه الآية علينا إدراك أن الكتب السماوية إنما هي "آيات" بحدّ ذاتها ... فالتوارة والإنجيل آيات بالنص القرآني:

 

نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (آل عمران:4) ...

 

 

والسياق في آية النحل لا يتحدث عن آيات قرآنية محددة، بل عن تكذيب الرسالة "الآية" القرآنية "قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ" جملة وتفصيلا بادعائهم أن الذي يُعَلِّم النبي بشر من أهل الرسالات السابقة: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ (103) ... 

  

فيكون لسان حال الكافرين: يا محمد، أنت مجرد مفتري ليس بامكانك الاتيان بآيات جديدة، إذن والحال هذه لا تخرج علينا بآيات القرآن الغريبة، فأنت مجرد تلميذ لأحد الكتب "الآيات" السابقة ...

 

فالتبديل في آية النحل هو تبديل الرسالات والكتب، وليس تبديلا للآيات المكتوبة داخل القرآن ...

 

واستبدال الأمم "أي الآيات" أمر واقع مذكور في القرآن ... فمثلا:

 

وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (محمد:38) ...

 

 

 

النسخ بمعنى "المحو" خطأ كبير ...

 

بعد أن وضّحت أعلاه معنى الآياتِ التي تُستخدمُ لتبرير المحو في القرآن، وأن "نسخ" لا تعني "محى" ، أظهرُ تاليا أن فكرة محو الآيات القرآنية بعضها بعضا جرم كبير ويناقض القرآن نفسه ...

 

 أولا:

 

واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا (الكهف:27)

 

فما معنى "لا مبدل لكلماته"؟ أوليست الآيات والأحكام التي قيل أنها منسوخة (بمعنى ممحوّة) من كلماته تعالى؟

 

 إنَّ كرامة وقدسية ومكانة كلامه تبارك وتعالى وإعجازه وتصوره صالحا لكافة الأممِ إلى يوم الدين تكمنُ في كونه وحي من الله تعالى الأعلى. ولو جعلنا قياس العلماء الذين يختلفون في زمنٍ واحدٍ، فضلاً عن اختلافهم في أزمانٍ متباعدة، فضلا عن اختلاف عالم واحد في قضية واحدة مع نفسه، لو جعلنا تلك المتغيرات الإنسانية مقياسا ثابتا على صحة أحكامه لأصبح القرآن نفسه مشكوكاً فيه كما هو الحال لقياس "العلماء".

 

 

فما يقال من وجود آيات في المصحف باقية شكلاً وممحوّة حُكماً يخالف القرآن الكريم والعقل والمنطق ويخالف الدليل والبرهان ومُنافٍ لاحترام وقدسية القرآن. فلو وجدت آية واحدة ممحوّة في القرآن الكريم لم يبق للقرآن كله أي اعتبار، حاشاه كذلك. فأي دليل عندنا لنعرف به كون آية من الآيات صالحةً أو غير صالحة؟

  

 

وكيف نفَهْم معنى أنَّ القُرآنَ يمحو بعضُه بعضَاً إلَّا أنْ يكونَ الممحو (والذي لا يتفق عليه الناس أصلا)  والذي هو جزء كبير من القُرآن ويتجاوز مئات الأيات، إنَّما هو "لِمَلءِ فراغٍ" أو "إكمالِ عَددٍ" أو "للقراءةِ من دونِ تفَكُّر" أو "تشريعٌ مُنتهي الصلاحيَّةِ نزلَ لغرضٍ ولحدثٍ مُحددٍ انقضى زمنه، فأصبحَ موجُوداً شكلاً لا مضموناً" ... وبهذا فالقُرآنُ لا يناسبُ جميعَ العصورِ والأُمَمِ كما نزعم، وحاشاه أن يكون كذلك، بل هو أشبهُ بمدينةٍ تحوي الكثير من العُمران الحديث مع وجودِ بعض المنازل المهجورة التي عجزتِ البلدياتُ عن إزالتها أو ترميمها !!!

 

  

والأدهى، أن إعطاء "العلماء" صلاحية محو وتثبيت الآيات القرآنية إنما هو إعطائهم الحق في التشريع والتعدّي على حكمه تعلى:

 

 مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (يوسف:40) ...

إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (الأنعام:57) ...

 

فالأسماء المعبودة في آية سورة يوسف هي ذاتها الأوثان، أي أسماء من وضعوا أنفسهم في مكان الإله تعلى في التحليل والتحريم  ...

  

 

ثانيا:

لدينا عشرات الأدلة القرآنية والكونية والحجج الدامغة تؤكد أن لا عبث بآياته تعلى، المادية والقرآنية ...   

ومنها أن الآيات كلها مُحكمة أي كاملة الضبط والربط بلا تعارض في أيٍ منها ولا ضعف:

 

الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير (هود:1) 

 

ويقول تعالى عن القرآن الكريم:

 

إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز (41) لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (فصلت:42)

 

فكلامه سبحانه لا يأتيه باطل من بين يديه ولا من خلفه أي لا يأتيه باطل فيما ظهر منه وما بطن وما سبق نزوله وما تأخر.

  

ونعلم أن الباطل يُمحى:

 

كذلك يضرب الله الحق والباطل، فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال (الرعد:17)

 

وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا (الإسراء:81)

 


أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور (الشورى:42)

 

 

ولأن ما يمحى باطل، والقرآن أحكمت آياته لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا خلفها، ثبت أن لا ماحيّ لآياته عزّ وجلّ وتعالى.

 

  

ثالثا:

تعهد سبحانه وتعالى بحفظ كل حرف في القرآن، وبحفظ معانيه وشرائعه ... وتلك كرامة ما بعدها كرامة:

 

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر:9)

فهل كان التعهد بالحفظ بعد أم قبل إتمام نزول القرآن والرسالة ؟؟؟

فلو قيل أنه قبل إتمام الرسالة، فكيف تتحقق آية الحجر بينما بعض الآيات التي نزلت بعدها تمحو بعضها بعضا ؟؟؟

ولو قيل أنه بعد إتمام الرسالة، فكيف يتحقق الحفظ بينما آية الحجر ليست آخر أنزلت من القرآن ؟؟؟

 

إذن آية الحجر تبين وبوضوح أن الذكر أي القرآن محفوظ، والمحفوظ لا يمحى ولا يتغير ...

 

 رابعا:

وردت آيات كثيرة تبين دقة الخلق وأنه قائم على أسس ثابتة لا تتغير ولا تتبدل ولا يأتيها الباطل، فمثلا: 

الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً، مَّا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ، فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (الملك:4)

  

فإنْ لمْ يكنْ في خلقِ الرحمنِ من تفاوتٍ وتعارضٍ وفُطورٍ وضعفٍ في بعض أجزاءه، فكيف يكونُ ذلك في كلامِه وهو العزيزُ العليم؟ أليس مصدرُ الكتابين واحدٌ ؟؟؟   

  

ولا شك إذن أن "النسخ" يمس قضايا دينية كبرى بما فيها الحلال والحرام لتعلقه مباشرة بالدستور الذي أنزله الله تعلى ... فتخيّل مثلا أن بندا من دستور مجتمع ما يُلغي 70 بندا آخر من نفس الدستور !!! 

 

 

 

حرر في السبت  24 / ربيع أول / 1443  – 30/ أكتوبر / 2021 ...

د. نبيل أكبر ...


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق