السبت، 31 أغسطس 2019

النجاسة في الفكر فقط ... ولا نجاسة مادية في الإسلام ...






أفلا يبصرون الحلقة الأولى: https://www.youtube.com/watch?v=5MGsotT-Jlc&t=18s



حساب الفيسبوك: 
https://www.facebook.com/Alraqeem333/




النجاسة في الفكر فقط ... فلا نجاسة مادية في الإسلام: إنما المشركون نجس ... فكرهم وخبثهم وكذبهم هو النجس ... والباقي يتكفل به الماء والصابون ...



فبالرغم من أننا نستطيع بناء ناطحة سحاب من الكتب والآراء حول النجاسة والطهارة، وبالرغم من كونها هاجسا وسواس يصيب "المسلم"، إلا أنّ كلمة "نجس" أو أي من تصاريفها، وللمفارقة، لم ترد بجميع المصحف إلا مرة واحدة فقط في سورة براءة آية 28 ، وكانت بحق المشركين لا غير:


يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء، إن الله عليم حكيم (براءة:28)

ولا شك أن المقصود هو "فكر ونفسية وروح" المشركين لأن جسد المشرك قد يكون نظيفا مبرئا من كل شائبة، لكنه بالرغم من هذا نجس بالمنظور الإلهي ...
فالنجاسة هي نجاسة الفكر، لا الجسد ...



فلا الدم، ولا النفاس والدورة، ولا البول والخمر، ولا دم هذا الحيوان وهذه الحشرة وتلك السمكة ،،، ولا ولا ولا ... ... ولا كم قطرة من هذا ينجس كم برميلا من هذا ... لا نجس إلا "الفكر" ، وأحرى به أن يكون كذلك ...


فالفكر النجس هو أقذر أنواع الفكر ... الذي لا يتورع عن منكر أو دناءة إلا وقام بها ... المراوغ الكذوب المخادع الغادر الانتهازي المريض ... الظالم أمام المستضعفين والذليل الخانع أمام الأقوياء ... الذي يستلقي على بطنه أمام الأقوياء وينقض عليهم إذا ضعفوا ... العائل المستكبر الجاهل المستعلم ... الذليل المغرور ... الجاحد الناكر الاتكالي المستهزئ ... السيادي الاقصائي التكفيري ... اللص الذي لا يتورع عن سرقة أي شيء أو أية فكرة ... الإجرامي الذي يقتل كل من يخالفه، ثم يسأل بكل بساطة عن نجاسة دم البعوض ؟؟؟





فـ  الحائض والنفساء ليستا في حالة عدم طهر، بالعكس، 

فالله تعالى  خفّف عنها إذ لا أطهر وتعبدّ وتقربا منه تعالى من كونها تخلقُ الأجيال وتطعمهم من دمها ...
هي لا تصلي أثناء النفاس أو الدورة ليس لكونها غير طاهرة، بل العكس أي لكونها في صومعة التعبد إذ لا عبادة وتقرب من الله تعالى كالمعاناة التي منها يخرج الإنسان أساساً، ومن كان في هذه العبادة الكبرى فهو ليس بحاجة للركوع والسجود ...


ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (البقرة:222)

والأذي بطبيعة الحال تعانيه المرأة وبه ترتقي وتتطهر عند خالقها إذ إن المعاناة قربة لله تعالى. فالدين هو ما ندين به للدّيان تعالى، فهل ندين بأكثر من خلقنا الذي حصل في بطن إمرأة ؟؟؟  بذا فالدورة الشهرية والنفاس هما صومعة الدين ...



أما بالنسبة لكلمة "طهر" وتصاريفها في المصحف فقد وردت كثيرا، وهي تأتي بمعنين الأول هو النظافة والثاني وهو الأكثر ورودا  بمعنى " القُدُس " أي طهارة الفكر والروح والارتقاء،  كما سنوضحه تاليا:



وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك (( وطهرك )) واصطفاك على نساء العالمين (آل عمرن:42)




إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي (( ومطهرك )) من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون (آل عمرن:55)
وهنا هو التقديس والارتقاء ...




خذ من أموالهم صدقة (( تطهرهم )) وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم (براءة:103)
وهنا هي التزكية والارتقاء، فهل كانوا أنجاسا قبل الصدقة؟




وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت (( ويطهركم تطهيرا)) (الأحزاب:33)
أي يرفعكم رفعا ويقدسكم تقديسا ...





رسول من الله يتلو صحفا مطهرة (البينة:2)
أي مقدّسة مرفّعة ...




فليست المراة ناقصة عقل ودين، بل هم الذكران، إذ عليهم الصلاة طيلة الوقت تكفيرا عما يقترفون  ...



أما "الرجز" و "الرجس" فلا علاقة له بالنجاسة، البتة، ومعناه "الخلط بين الأمور" ... وقد فصّلنا معانيه  في المقال المرفق:



د. نبيل أكبر

مقالات مشابهة:



الجمعة، 26 أكتوبر 2018

ما معنى : ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ؟؟؟





أفلا يبصرون الحلقة الأولى: https://www.youtube.com/watch?v=5MGsotT-Jlc&t=18s



حسابي في الفيسبوك: https://www.facebook.com/Alraqeem333/



لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ ... (النور:61)  ؟؟؟


الآية أعلاه مُستعصية للفهم وألحد بسببها الكثير وكانت مادةً للاستهزاء بالقرآن، فما معناها ؟  



سبب الاستهزاء  أنها تتحدث "ظاهريا" كما لو أنها كلمات وعبارات من هنا وهناك لا ترتبط بأي قضية ...


فما معنى أن الأعمى والأعرج  يأكل في بيته؟ يعني لو كان أصماً لا يأكل؟  
ولماذا يُمييزُ القرآن بين الأعمى والأعرج وبين غيرهم من الناس بينما الله تعالى خلقهم هكذا؟
وما معنى أن نأكل في بيوتنا وبيوت آبائنا ؟ يعني أين يأكل الإنسان لو لم يأكل في بيته ؟

والأكثر اثارة أن الآية تنتهي بــ " كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ " فأين الآيات في عبارات تبدو للوهلة الأولى ركيكة التركيب والمعنى، وألحد بسببها الناس؟  


السياق ما قبل وما بعد الآية 61 يتحدث عن الأسرة  وعلاقاتها في المنظور القرآني، وكي لا نطيل نكتفي بذكر الآية فقط:  
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (النور:61) ...

الآية 61 أيضا تتحدث عن ذات الأمر أي نصائح عامة عن العلاقات الأسرية لما يجعلها أكثر تماسكا ووحدة واتفاقا. ولأن الوحدة والتماسك والتفاعلات بين الأجزاء المختلفة في الطبيعة تخرج النور، فإن التفاعلات والترابطات السليمة بين أفراد الأسرة تنتج "النور" المجتمعي والذي سيؤدي إلى النور المعرفي على مستوى الأمم ... فالأسرة يجب أن تكون مترابطة متفاعلة قوية، كونها اللبنة الأولى في المجتمع، ليكون المجتمع كذلك ... وهذا هو سبب ورود هذه المعاني في سورة "النور" ...

و  " الأكل " رمز  للتجمع  بكل معاني الكلمة، فــ  "الطعام أو السفرة" هي الجامع الأكبر في عادات جميع الشعوب وأعيادها وأفراحها ومجالس العزاء فيها، وكل "اجتماع" يتميز بنوع من أنواع الأطعمة ... وفي هذه الجمعات تكون الجلسات والحوارات والتعارف ويشعر الإنسان بالانتماء والأريحية  ...  

فالآية إذاً تحدد أركان البيت الكبير الذي ينتمي إليه الفرد ويشعر فيه بالأريحية، ويشمل بيت الشخص (وقد يكون بيت زوجته)، وبيوت الآباء (قد يكون للأب أو الأم أكثر من بيت)، والأخوان والأخوات والعمام والخالات، بل وحتى الأصدقاء المقربين يدخلون ضمن هذا البيت ...

أما "الأعمى"  فهو ليس كما يفهمه الناس، بل كما ورد في القرآن نفسه مرارا وتكرارا: أي من تعتبروه "ضالا"  أو المختلف عنكم فكرا وتوجها وحتى دينا ومذهباً ... فعلى سبيل المثال:
وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (الإسراء:72)  ...

أما الأعرج  فهي "الضيف" يَعْرُجُ عُرُوجا أي مرورا ...
والمريض هو المصاب المُبتلى بأي مرض أو عِلّة جسدية أو ذهنية ...

فيكون المعنى القرآني  الجميل البديع الشامل الرحيم هو: هذه أركان بيتكم الكبير، أكرموا أنفسكم فيها بكل أريحية، لا تفرِّقوا بين أنفسكم بالمعتقد وتقولوا هذا "أعمى / زنديق / ضال / كافر ..."  ولا تتاميزوا فيما بينكم بالصحة والقوة ...  فكلكم من لبنات البيت ...

د. نبيل أكبر




الأربعاء، 8 نوفمبر 2017

ما أصل كلمة ((( قرءان ))) ؟؟؟



  


أهم كلمة عند المسلم هي " القرءان " ... فما معنى " قرءان " ؟ ولماذا سُمّيّ القرءان قرءاناً ... وما أصل الكلمة ؟؟؟


قيل أنها مشتقة من القرءاة المعروفة: قرأ قرءانا فهو قرءان ...
وقيل أنها من "قَرَنَ"  أي جمع لأنه يجمع السور والمعاني ...  وقيل أنها من "قرائن" ...
وقيل غير ذلك، ولكن كل ذلك لا يفسر الكثير من العبارات التي وردت بالمصحف كما سنظهره لاحقا بالمقال،،،


فما "   القرءان  " ؟؟؟

كلمة "  قرءان " مشتقة من جذر (((   قَرَّ   )))  ...
قرّ : أي بردَ واستقرّ وثبت واطمأن وسكن وهدأ وتنسّك،،، والقرّ البارد، وقرّ رأيه على كذا أي أزمع وعقد النية ...

وقرّي عينا وقَرّت عينه  أي هدأت وبردت، فمن المعروف أن عين الخائف تتحرك يمنةً ويُسرةً بعبثية وعدم انضباط  ...



فكلمة " قرءان " من  القرار  والاستقرار والطمأنينة والسكون والخشوع وليست ببساطة من "القراءة" أو من "جمع" كما ذهب المفسرون ... وأحرى به ذلك فبه تطمئن النفوس وتخشع:

لو أنزلنا هذا ((( القرءان ))) على جبل لرأيته ((( خاشعا متصدعا ))) من خشية الله
وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون (الحشر:21)

الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب (الرعد:28)



وكلمة " قرأ " بالمعنى المتعارف عليه تتأصل أيضا بنفس الكيفية، إذ الكائن الحي لا يشعر بالطمأنينة والقرار تجاه شيء إلا بعد تفحصه ومعرفته، والمعرفة تتأتي بالقراءة والبحث في الكتب الورقية أو الكونية ... لهذا ارتبطت كلمة " قرّ " بمعاني البحث والاستقصاء والتمعن والمعرفة.




ونأتي تاليا على بعض المعاني والمرادفات من المصحف على ضوء تعريفنا هذا والذي سيغيركثيرا من المفاهيم القرآنية ... بل مفهوم القرآن نفسه :


اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق (2) اقرأ وربك الأكرم (3) الذي علم بالقلم (4) علم الإنسان ما لم يعلم (العلق:5)

إقرأ (اسكن واطمئن) باسم ربك الذي خلق ... فيا لجمال المعنى الآن، وهل يطمئن الإنسن إلا باسم ربه ؟؟؟
خلق الإنسان من علق (فأنت معلق ساكن قرير بأمر الله كما كنت معلقا  قريرا برحم أمك) ...
إقرأ (اسكن واطمئن ) وربك الأكرم ...
الذي علّم بالقلم ... أي علّمك بالكتابة والطباعة، وبالتالي تقرّ عينا بمعرفتك لما كنت جاهلا ...



والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ... (البقرة:228)
"القرء" هو الدورة الشهرية للمرأة وسمّي بذا لأن المرأة تستقصي نفسها بالنظر كي يقرّ قلبُها ...




أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا (الإسراء:78)

قرءان: قرار وطمأنينة ...
الفجر: هو بداية النهار أو هو الكشف والبيان فأنت لو اكتشفت علما مبطنا فأنت  تفجره تفجيرا ... والعين التي يفجرّها عباد الله يفّجرونها تفجيرا من سورة الإنسن هي ((( كشف العلوم وإظهار الأسرار ))) ...
مشهودا: أي بيّناً واضحا ... ويمكن أن يكون من الشهد أي العسل ...

وبذا تفهم الجملة كالتالي:

أو:
إن قرءان (( طمأنينة وسكون )) الفجر (( اكتشافك وتفجيرك للعلوم والأسرار)) كان مشهودا (( جميلا وسيكون مشاهدا بيّنا )) ...





والقرآن نزل وقت الرمض أي الجفاف والحاجة ليحيي الأنفس الميتة:
ولاحظ ذكر قرب الله وصلته بالإنسن في الآية التالية مباشرة ((( فإني قريب ))) فالقرآن يجعلك قريرا بصلتك بالله تعالي ...




وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا (الفرقان:32) ...
أي رصصناه ورتبناه لتقرّ به ويثبت به فؤادك ...



ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد (فصلت:44) ...
أعجمي أو عربي لا يفرق فليست القضية قرآة كلمات، بل قرارا بالنفس وراحة ...




لا تحرك به لسانك لتعجل به (16)  إن علينا جمعه وقرآنه (17)  فإذا قرأناه فاتبع قرآنه (18) ثم إن علينا بيانه (القيامة:19)
أي علينا جمعه واقراره في النفوس ، فإن استقر بالنفس فاتبع سكناته ...



وأيضا قلنا أن الأرض والقرآن مترادفان ... بمعنى أن جميع صفات الأرض وطبائعها ومميزاتها نجدها أيضا في القرآن، والعكس صحيح ...

ولذا فكما إن القرآن قرار، فإن الأرض أيضا قرار، كما ورد:
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (النمل:61) ...



د. نبيل أكبر

الأحد، 6 يناير 2013

قصتي مع المرحوم البروفسور محجوب عبيد طه


بسم الله الرحمن الرحيم

لو كان لي أن أكتب في فضل إنسان معاصر أثر في حياتي وتوجهاتي العلمية والفكرية لما ترددت لحظة في القول بأنه المرحوم البرفيسور محجوب عبيد طه.


تعلمت كثيرا من أناس لهم فضل كبير علي  ولكني تعلمت أكثر من المرحوم وهو سوداني أصيل كأصالة النيل وكريم ككرمه.

كثيرة هي الخواطر التي تنتابني والغصص التي تخنقني عندما يخطر  لي أستاذي وقدوتي المرحوم محجوب.  هو لم يؤثر وحسب، بل كان له الفضل بعد الله تعالى في قلب موازين فكري وشخصيتي تماما.


كلمات قليلة تلك التي كان يتكلم بها المرحوم، لكنها وبكل معنى الكلمة كانت تخرج من إنسان عظيم فتقلب الموازين وتهز الكيان.  فيقال إن الإنسان يأخذ من اسمه نصيبا ولا أجد إلا أن المرحوم أخذ من اسمه شيئاً  وافرا إذ كان أبعد ما يكون عن الأضواء والشهرة الزائفة فعلا وقولا وجوهرا ...


وديع رقيق وسيم بسيط مخلص يتقطر منه الحياء والأدب.   ينظر دوما وحتى أثناء مشيه إلى الأرض بينما مقلتاه تتحركان في جميع الإتجاهات من شدة تفكره وتأمله.  أولم يكن سيد الخلق محمدا عليه الصلاة والسلام كذلك؟


واسع الخطوات سريع المشي، وكان يضع يديه الكريمتين الرقيقتين خلف ظهر من يمشي معه برفق وعطف أن أسرع الخطى وكأنه يعلم أن العمر قصير ...


بينما كنا نمشي من مكتبه مرة نظرته وقلت إشفاقا  أنت تتفكر كثيرا دكتور! فنظر باسما ولم يتكلم ولكني فهمت معنى ابسامته اللطيفة إذ قالت فإن لم أتفكر فما عساي أن أفعل؟ 

كنت كثيرا ما ذكرت لأبنائي المرحوم وأخلاقه   ومدى تأثيره علي وفضله بعد الله تعالى.


انقطعت أخباره عني لسنوات لتقصير مني ولكنه دوما كان في البال. تعسا عندما نحب إنسانا ونحفظه بباطن القلب ولكننا نقصر في التواصل معه على افتراض رؤيته متى شئنا ثم يرحل هذا الإنسان بلا مقدمات فننتكس وننظر قلوبنا بحسرة وتقصير وندم ... بل قلوبنا هي التي  تنظرنا بعتب وتقول ... تعسا ...

بينما أنا عائد مع عائلتي بالسيارة في ليلة من ليالي 1998  إلى مدينة الخبر مرورا بالرياض التفت ابني الأكبر لعلامة جامعة الملك سعود فقال أليست هذه الجامعة التي درست فيها؟ قلت نعم. فقال مصمما لنقف الآن لنسلم على الدكتور محجوب الذي كلمتنا عنه كثيرا. 

أدهشني ابني كثيرا وأثار اعجابي ولكني قلت له من غير المعقول أن أغيب عن الرجل لسنوات ثم أطرق بابه منتصف الليل. 

صمم ابني وغضب وأخبرته أن الوقت غير مناسب وأني سأصحبه مرة أخرى خصيصا لرؤية الدكتور محجوب. 

كم كان ابني على حق. كم كان محقا.  ليتني فعلت. فلم أدر أن استاذي محجوب سيلقى ربه بعد ذلك بقليل. فعفوا ابني الغالي إذ حرمتك من اطلالته المنورة  البهية.


لا أؤمن بأي نوع من المصادفات في الخلق. بل هي أقدار كل ما صغر وكبُر ...
وكان قدري أن أتعلم من المرحوم. 

نعتقد أحيانا أن قوة العلاقة بين طرفين تزداد كلما كانت الصفات المشتركة بينهما متشابهة متعددة، ولكني لا أعتقد ذلك.

إذ إن من السنن الكونية إخراج الشيء من ضده كما فصلته في عدة مقالآت، وهو مبدأ ليس في القرآن وحسب بل هو مبدأ من المبادئ التي يقوم الخلق كل المادي والروحاني عليها في إشارة إلى إعجازه وإبداعه تعالى إذ إن خروج الشيء من ضده يكون بيناً بليغا ومعجزا أكثر من خروج الشيء من مثيله.


فالأم على سبيل المثال ترى الموت أثناء الولادة كما يقال والسبب يعود إلى أنها تلد الحياة ... خروج للشيء من ضده.

ثم عندما يأتي الأبناء من رحم واحد فإنهم يغارون ويتنافسون مع بعضهم البعض بشدة مجربة للجميع وفي نفس الوقت يتوادون ويتحابون!

هم في هذا كالقوة المغناطيسية تتجاذب من جهة وتتنافر من الأخرى. فما أن يتقارب الأبناء من رحم واحدة إلا ويتباعدوا ثم يعودوا وهكذا ...

فلو كان الشركاء يتصفون بنفس الصفات لملوا بعضهم البعض وتنافروا. 
بينما لو اتصفوا بصفات متشابهة وأخرى متنافرة فسيتقاربون ويتباعدون باستمرار وبلا ملل ... 

وكانت هذه علاقتي مع المرحوم ...


من جهة نجد طالبا جاهلا متهورا فاقدا  لا هدف له عدا الحصول على وثيقة تخرج وبالتالي لا يكترث بدروسه أو حتى بغيرها ...
ومن جهة نجد رجلا عالما رزينا حكيما لطيفا يحمل أعظم الشهادات ويعمل باستمرار وصبر في الأبحاث الفيزيائية النووية وغيرها ...

من جهة كذلك نجد شابا حائرا تائها لا يدري ما يفعل وإلى أين يسير، ومن جهة مقابلة نجد إنسانا ناضجا كاملا مضى وشق طريقه في الحياة بكل وضوح وفخر واعتزاز ...


كما هي التناقضات كثيرة، فالمتشابهات بيننا كثيرة أيضا ...
مسحة من الحزن الدفين كنت أقرأها في وجهه دوما وفي كل ما يفعل وما يقول ... لم أدر ما سببها في حينه فلم أكن لأتكلم معه في أي أمر شخصي ... ولكني علمت بعد ذلك بسنوات أنه فقد والده وهو  في الثالثة من عمره وأنه الابن الأكبر فكان عليه أن يكدّ ويكدح لإسرته ...

أولم يكن سيد الخلق محمدا عليه الصلاة والسلام كذلك؟


كنا كثيرا نسمع عنه وشهرته وتواضعه وإنجازاته  على المستوى العالمي وكانت هذه الأخبار تصيبنا بالذهول إذ كنا طلبة بعيدين كل البعد عن هذه المستويات الرفيعة ...  


لا يسمح المقال بذكر  إنجازات المرحوم العلمية لذا فأحيل الراغبين للروابط: 



ولكني سأتكلم عن المرحوم الإنسان المؤثر  المؤمن المخلص.


كنت في سنة  1979  السنة الثالثة قسم الفيزياء في جامعة الملك سعود (الرياض سابقا) وسجلت في مادة فيزياء الكم التي يدرسها الدكتور محجوب. مضى أكثر من نصف الترم ولم أحضر ولا مرة لمحاضراته ولم أتكلم معه  أو حتى السلام عليه! جاء وقت محاضرة الساعة الواحدة ظهرا وتذكرت أنني نسيت غرضا عند زميل فهرعت إلى الفصل لاسترداده سريعا كي لا أقابل المدرس؟!    


وبينما أنا خارج من الفصل فإذا هو داخل فوجدتني وجها لوجه معه عند الباب. قال أنت نبيل؟ فقلت نعم. فقال أجد اسمك مسجلا في المادة ولكني لم أشاهدك في الفصل؟ إما أنك ذكي فلا تحتاج للحضور أو أنك ...  ثم دخل الفصل وأنا خرجت منه مصدوما لا ألوي على شيء.


صدمني ببساطته وأدبه. كان له أن يهزأ أو أن يغضب ولكنه وضع الأمور ببساطة لو كانت معادلة حسابية ببساطة.  


تفكرت كثيرا في كلماته البسيطة (( أو أنك )). "أو أنك ماذا؟" كنت أردد في نفسي لعدة أيام بحسرة وضياع.


كنت كالغريق أبحث عن حبل يخرجني مما كنت فيه فوجدت طرف الحبل يُلقى إلي .... رأيت النور أخيرا في نهاية النفق. شعرت من داخلي بجذوة من الأمل كنت أعلم أنها لا تزال تنبض حية. شعرت أن هذا الإنسان بخلقه وعلمه وتدينه قادر على انتشالي من الضياع. 

أردت بشدة وحماسة أن أريه من أكون وأنني لست كما قد يعتقد. حضرت المحاضرة التالية وقد فاتني اختبار شهري كامل بكل درجاته ولكن ذلك لم يكن بالأمر المهم آنذاك. المهم أن أضع قدمي على الطريق الصحيح أولا، وهو ما كنت قد قررته. 

نعم فاتني اختبار كامل لكن هذا ليس بشيء وخاصة أن جميع الطلاب بالكاد يحصلون على درجة أو درجتين في اختباراته.

فلم يكن المرحوم لينزل بمستواه ومستوى المادة إلى مستوى طلبته. لا تنازل عنده في هذا المجال بل حزم واخلاص ومساواة بين الجميع. 

قال في أول المحاضرة التي لم أفهم منها شيئا أن موعد الإختبار الشهري الثاني سيكون بعد اسبوع.
قال إن الامتحان سيسمح فيه إدخال الكتب والمراجع وأنه سيضع لنا سؤالا واحدا فقط، فذهبت جريا للمكتبة أبحث عن أكبر عدد من المراجع إذ بها أمَلي فلم أكن أفهم من المادة شيئا.

حضر الطلبة الامتحان ومع كل منهم مرجع واحد بينما أحضرت ما يقارب العشرة على أمل أن أجد السؤال كمثال محلول في أحدها.

جاء وقت الامتحان وعرض السؤال فأسرعت بحثا عن شبيه له من المراجع كي أنسخه وألصقه كتابة على ورقة الأجوبة. ولدهشتي فقد وجدت ضالتي في أحدها  وهو مثال يشبه في شكله مسألة الإمتحان، ففعلت ما علي فعله ونسخته بلا أدنى فهم.

ترقبت النتيجة بفارغ الصبر وكانت المفاجئة أنني تحصلت بالرغم من كل عثراتي وجهلي على درجة 7 من 15 ... كانت الأعلى على الفصل!!

أذكر زميلا لي سألته بعد الامتحان عن درجته فنظر مبتسما رافعا سبابته إلى الأعلى وقال "واحد". 

عاد الأمل من جديد.  أستطيع الآن المنافسة فلا ينقصني شيء.

أحببت الدكتور محجوب وتقربت منه أكثر واهتممت بالمادة وكرّست كل وقتي لفهمها وكثيرا ما كنت أذهب إلى مكتبه وأناقشه حولها وحول عدة أمور تختص بالفيزياء.

أصبحت إنسانا آخر بعدها وكأن رئتاي بدأت للتو بالتنفس. هدفي بسيط وواضح الآن:  إثبات أنني قادر على الإنجاز للدكتور محجوب فقط لا غير لأنه يستحق لشدة أدبه وعلمه أن أبذل كل ما في وسعي لإرضائه ولإسعده كمدرس مخلص يحب الخير لتلامذته.

سجلت في مادة النظرية النسبية الخاصة بعدها وكلي حماس ورغبة في التعلم. تغيرت بالتالي نظرتي لجميع المواد الأخرى وبدأت من جديد كمن كان مريضا على حافة الموت ثم نجى بأعجوبة فانطلق في الحياة جاريا يستشعر كل ما فيها ...

ثم سجلت في مادة الجزيئات الأساسية وكانت متخصصة اختيارية فلم يسجل غيري من الطلاب.


كنت أنا وهو في الفصل الدراسي فقط.
تعلمت الكثير في المادة. لا أقصد المادة العلمية فتلك للإنسان أن يتعلمها من أي مصدر آخر. ولكني تعلمت منه أمرين إنسانيين مهمين أثرا في حياتي وتركا بصمتهما في.

أولا الإخلاص في العمل مهما كان.  فمثلا  كان يستعمل السبورات الأربعة ويكتب عليها بالطبشور ويستعمل المَسَّاحة الخشنة طوال الوقت ويتكلم وينظر وكأنه يدرس عشرات الطلبة بينما لم  يكن في الفصل غير طالب واحد يدرك هو أنه بالكاد يفقه شيئا من المادة.

كنت أنظره يعمل بكل جد وكد ويتكلم ويشرح بحماس، ينطف عرقه من القيظ  ويمسح نظارته من بقايا غبار الطبشور  فأنظر من حولي فلا أجد أحدا سواي  فأعجب من إخلاصه وإحسانه. فأقول لنفسي كل هذا لي؟ أنا؟

وثانيا وهو الأهم فقد تعلمت منه مقدار نفسي. حضرت مرة أو مرتين متأخرا عن الحصة لما يقارب العشرين دقيقة وكنت أتوقع ألا أجده في الفصل.
لم يكن كذلك! بل كنت أجد أنه قد ملأ السبورات الأربعة كتابة وليس في الفصل أحد! 

فكنت أقول لنفسي عجباً!  يعني الدكتور العظيم صاحب الأبحاث العالمية  يتعب نفسه في هذا المكان  ويكتب لوحده في انتظار طالب واحد بالكاد يفقه من المادة شيئاً؟!  لابد أنه يقدرني ... لابد أنه يعرف عني أكثر مما أعرف أنا عن نفسي ... لابد أنه يثق بي وبقدراتي أكثر مما أفعل أنا بها ...

غيره لم يكن ليفعل من ذلك شيئاً ... ولكنه أرسل لي رسالة صامتة لطيفة بأفعاله هذه مفادها أن أعطي نفسك قدرها يا نبيل كما أعطيها أنا قدرها ... احترمها كما أحترمها أنا ... أعزّها كما أعزها أنا ...

علمني قدر نفسي بعد أن كنت أحسب أنها لا شيء ...

علمني الأمل والعطاء وفتح لي بابا من أبواب العلم والمعرفة. فتخرجت ثم أكملت الماجستير في الفيزياء من جامعة نورث إيسترن من بوسطن ثم ماجستير ودكتوراة في تخصص الجيوفيزياء وهندسة البترول من جامعة ستانفورد في ولاية كليفورنيا.


عدت في 1993 وعملت في شركة آرامكو   وانشغلت عن الدكتور وعن أشياء كثيرة أخرى. وفي أحد الملتقيات النفطية  المتخصصة في سنة 2001  وجدت معرضا لأحد الشركات السودانية فعرفت نفسي للإخوة وقلت لهم أن البروفيسور محجوب كان أستاذي فقال أحدهم تقصد المرحوم محجوب !؟ فقد توفي العام الماضي ...


هكذا ذهب بصمت ... لكم تمنيت أن أعرض عليه أبحاثي في مجالات النفط والأرض وأخبره أن كل ما فعلت في حياتي الدراسية كان نتيجة للقاء الأول.

صَمَتَ آنذاك وصَمَتَ الآن  ... حُجبَ وهو محجوب ...  وهذا هو حال المخلصين من مقامك دكتور محجوب ...


لا أدري بالضبط السبب في عدم سؤالي عن المرحوم وزيارتي له بعد عودتي من الدراسة في الخارج  ولكني أعتقد أنه الخوف الدفين من أنه قد لا يتذكرني لأنني مجرد طالب من آلآف تتلمذوا على يديه فيسقط في يدي ويسحب البساط من تحت قدمي وتتبدد مشاعري وتطفأ جذوة حبه وتقديره المتقدة في قلبي... 

فقد يحصل أحيانا أن يحب أحدنا الآخر ويحمل ببين جوانحه ذكريات جميلة  عطرة يعتبرها ككنز دفين يخشى التفريط فيه ثم يفجأ بعد زمن طويل أن العزيز على قلبه من الطرف الآخر لا يبادله الشعور والتقدير بل وقد لا يذكر حتى اسمه فيضيع الكنز ويطمر وتتبخر الأحلام الجميلة في لحظات قاسية ...

لكن علاقتي مع المرحوم أكبر من كل هذا فليس من أعماله ما كان يبتغي به وجه الدنيا.

فلم تكن علاقتي بالمرحوم مميزة عن علاقته بغيري إذ كان كذلك مع الجميع وبلا استثناء  ... كان كالشمس تلقى أنوارها في كل الإتجاهات .. استضاء بنورها من استضاء وترك نورها من ترك ... كالبحر يلقي بشواطئه وخيره في كل مكان ... أخذ منه من أخذ وترك من ترك ...

أهدي جميع أعمالي إلى روح الفقيد الغالية ...



اللهم فأنر قبر أستاذي وأخي الأكبر محجوب وأنزل ما فتحت علي به من فضلك زهورا وعطرا عبقاً ونورا كريما على روحه وبلغه دعواتي أينما كان واجمعنا معه في تلك الجنة التي تورث من عبادك من كان تقيا

وارحمه وآبائه وأجداده وذريته وبارك فيهم إلى يوم الدين

اللهم أهل الجود والنعم
فقل نعم
آمين


بعضا من الروابط  التي تتحدث عن المرحوم وإنجازاته:






بسم الله الرحمن الرحيم
ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء (24)  تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون (إبراهيم:25)


والحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيد  المرسلين محمد المصطفى الأمين
وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه إلى يوم الدين








i� (R s �A � 0 t-family:"Tahoma","sans-serif"'>http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D8%AD%D8%AC%D9%88%D8%A8_%D8%B9%D8%A8%D9%8A%D8%AF_%D8%B7%D9%87



ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء (24)  تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون (إبراهيم:25)




والحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيد  المرسلين محمد المصطفى الأمين
وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه إلى يوم الدين