الأحد، 5 سبتمبر 2021

الديموقراطية أو الملكية ...

 

 

 

 في ثاني ظهور له من منبر البيت الأبيض، زفّ سيادة الرئيس الأمريكي جو بايدن مبشرا متهلل الوجه نبأ إطلاق سراح الناشطة السعودية لجين الهذلول ...


وتعحبت في مقال منشور حينها عن أهمية الأمر عند الرجل الطاعن في السن، بالرغم من أن لفظه لاسمها كان مضحكا،  كما كنت أضحك عندما كان صديقي الصيني يلفظ اسم ولاية " ماساتشوستس "   ...

 

فـ لجين شابة منطلقة بكل ما تعنيه الكلمة، وأحسب أنها كانت سعيدة، ولربما أكثر سعادة من بايدن وأولاده، قبل أن تعتقل، وأثناء اعتقالها، وبعد خروجها ...  

 

فما الداعي لزجّ الأنوف خلف جدارن الدول الأخرى بكل هذه الفجاجة والسطحية والازدواجية الصارخة في المعايير ؟؟؟

 

 

هل لا يعلم الرئيس عن عشرات الدول التي لم يسمع بها أحد وتعجّ بالبؤس والجهل والفقر والمرض والعطش ؟؟؟  

 

ولا أدري إن كان – وهو السياسي المخضرم - يعلم عن مئآت آلآف من مواطنيه المشردين تحت ظلال ناطحات السحاب في المدن الأمريكية ؟؟؟

 

أو عن صنوف الممنوعات والمهلوسات التي تعصف بالشباب والأطفال في مدارس أحفاده   ؟؟؟

أو الجرائم والانتحار ؟؟؟ والعنصرية في كل حيّ ؟؟؟

أو البطالة المرتفعة، والدخول المنخفضة، والديون المتراكمة على معظم أفراد المجتمع ؟؟؟

 

أو أن أمريكا نفسها تعتمد على الأجانب في معامل الأبحاث والجامعات والتقنيات الحديثة ،،، بينما الأمريكيون هجروا التعليم إلى العمل في المطاعم والحانات ومواقف السيارات، معتمدين على البقشيش والمعونات ؟؟؟

 

أو هل كان الأجدر به أن يتمعن في البنى التحتية التي تهاوت خلال اليومين الماضيين جراء الفيضانات والأعاصير وشردت الملايين من البؤساء في عاصمته المالية  نيويورك ؟؟؟

أو ربما كان له أن يلتفت للوضع في أفغانستان ويعمل على إنسحاب "مُشرّف" بدلا عن الفوضى العارمة والمسخرة التاريخية المذّلة  ... والهروب بالتعلق بكفرات الطائرات ...

 

هل كانت لجين الهذلول  بكل هذه الأهمية للدولة العظمى في العالم – أو كانت عظمى - ؟؟؟

 

بالتأكيد لا ،،، ولو محيّت دول كاملة عن الخارطة فلن يكون ذلك بأي أهمية في حقيقة الأمر ،،،

 

 لأن الموضوع يا سادة متأصل في جوهر الديموقراطية  !!!

فطالما أن المنصب يكون بالاقتراع الشعبي ،،، وطالما أن الشعوب تُساقُ بسهولة خلف نزواتها و خلف كل لامع ومثير وشَبِق ،،، إذن لا يصبح الرئيس رئيسا إلا بعد إرضاء الجمهور بالضربات الإعلامية والخبطات الصحفية والقضايا السخيفة التي يعشقها الجمهور ويجري خلفها كالمجنون ...

أو كما في المثل الشهير: أنت لا تصطاد السمكة بالكعكة، لكن بالدودة العفنة ...

 

لأن الواقع المؤسف أن الإنسان مخلوق أناني يهتم بالقشور وما يثير غرائزه ويشبع فضوله ونزواته،  ونحن نشهد على هذا أمام أعيننا ...

فالإعلام السمج الهابط (هابط فكريا وهابط للجزء الأسفل من الجسد) يحصد مليارات المشاهدات كل ساعة، حيث تشخص إليه أبصار الناس و أفئدتهم التي تشعر الملل من كل شيء ، فتبحث  عن "الـفرفشة" و "الفضفضة" تستجدي إفرازات غدد هرمونات الإثارة ...

حتى وهم يقودون سيارتهم، أو يمضغون الطعام في أفواههم، أو ينامون على جنوبهم، أو يتكلمون مع بعضهم ،،، في كل وقت هم يهرعون إلى شاشاتهم ...

 

بينما يستميتُ المفكرون والباحثون لسنوات من العمل المضني، ليحصدوا في النهاية  بضعة مشاهدات، وبضعة ردود عقيمة مريضة ...     

 

وطالما أن جموع الناخبين لا ينظرون للمستقبل البعيد والاسترتيجيات بعيدة الأمد ، ولا يهمهم إلا محصول يومهم من الطعام والفرفشة والاثارة، طالما هذا هو الحال، فلن يذهب المجتمع إلا في طريق الدائرة المغلقة (vicious circle) حيث لا يزداد الوضع إلا سوءاً ... فشركات الإعلام واستطلاعات الرأي تبحث عن "الأحداث اللافتة المثيرة" لتربح وتتوسع، أي إن نطاق عملها هو الإثارة الناتجة من المرشحين للمناصب ونجوم الفن والرياضة والمشاهير ... وبالمقابل المُرَشحون والنجوم والمشاهير يبحثون عن وسائل الإعلام ليزدادوا شهرة  ... فينفخ كل في الآخر  ... ويزداد الانحدارا عند كل دورة انتخابية  ... لا فكاك ...

  

 

لهذا، المخاطر التي تهدد المجتمع بالتدريج بدون إثارة وبريق إعلامي كالأمراض المزمنة التي تنتشر بصمت وتدرج ،،، أو الآفآت الأخلاقية والاجتماعية والأسرية والتدهور في التعليم التي تنخر بنيّة المجتمعات ببطء ،،، أو الافساد في الأرض بتلويث بيئتها وتغير الحياة الفطرية والصيد الجائر في البر والبحر  ،،، أو التغيرات في أسس التكوين الجيني للإنسان والنبات والحيوان نتيجة الطعام الملوث المدعّم بالهرمونات والمواد الكيميائية الحافظة ،،، أو التغيرات والتشوهات  الجينية  بسبب تأثيرات الأشعة الكهرومغناطيسية الناتجة عن أجهزة الاتصال والتقنيات الحديثة ،،، كل ذلك لن يكون مهما عند صانع القرار المرشح للمنصب، لأن جمهور المنتخبِين أصلا لا يهتمون بهذه المسائل بقدر اهتمامهم بـ "هروب فتاة" من أهلها، أو حرية معتقلة، أو طفل ناجي من تحت ركام ... أو بضعة عمال مناجم دفنوا أحياء ... أو طلاق أحد النجوم ... أو مقطع فيديو "مُسرّب" أخذ الأضواء ...  

 

وهذا يفسر هرولة الرؤساء المنتخبون لالتقاء الصور مع ضحايا الكوارث ،،، بدلا عن العمل الجاد لاصلاح أسس المشكلة ...

 

و كمثال آخر نجد اهتمام الديموقراطيات - الغير منطقي – بمواطنيهم الأسرى في الدول الأخرى لدرجة دفع مئآت الملايين من أموال الشعب لتحرير أسير واحد، وهذا في الوقت الذي يموت المئآت يوميا من حوادث السيارات والمخدرات والجرائم في يوم واحد ... لذا أصبحت الديموقراطيات رهينة سهلة للمجموعات الإرهابية ، وهذا يفسّر ارتفاع أسهم مصر بعد أزمة صواريخ حماس تجاه المدن الإسرائلية حيث تحاورت مصر مع حماس "الإرهابية"، أو إرتفاع أسهم دولة قطر لمساعدتها في ترحيل الأفغان بعد عجز الإدارات الديموقراطية المترهلة بالفساد والقوانين المتراكمة عن التحاور مع طالبان "الإرهابية"  ...

 

 إذن، الدولة الديموقراطية بما تحويه من مئآت الملايين من المواطنين مرهونة بقرارت الرئيس، والرئيس رهين للصحافة والإعلام، والصحافة رهينة للقضايا السطحية السخيفة وللخبطات الصحفية، وهذه السبقات الصحفية يملكها الإرهابييون والنجوم في كل الميادين، وكل من يجيد اللعب على "الإثارة" ... هذا هو النفاق والنجاح "الزائف" الذي يلهث خلفه السياسيون ، من أجل الانتخاب ...  

 

ومن مشاكل الديموقراطيات هو عدم الاستقرار في النهج العام ، حيث يتم إنتخاب حزب جديد كل 4-5 سنوات، ليأتي ويمحو كل ما قام به سلفه ...

ولدينا أوضح الأمثلة من البلد الأكبر الداعي للديموقراطيات، أمريكا ...

ففي عهد أوباما تم صرف المليارات من أجل وضع النظام الصحي المسمى بـ أوباما كير، فجاء خلفه ترمب ليلغيه من أول يوم له ...

أو الاتفاق النووي مع إيران ، أو معاهدة باريس للمناخ، أو العلاقات الدولية مع كل دولة على حدة ،،،، فكل ذلك تم تغيره ومحوه بالكامل ،،، ولك أن تتخيل الجهود العظيمة والأموال التي أنفقت لكل من هذه المشاريع الضخمة، ليأتي من يمحوها بجرة قلم ...

 

ولك أن تتخيل كمية الجهد والانفاق والفساد الذي يحصل عند كل عملية انتخابية من كل المتنافسين ...  دعايات في كل مكان ،،، أعلام في الأيدي وأخرى على الطرقات، رجال ونساء يقفون في الشوارع يصرخون، ولائم يحضرها الناخبون ، تبرعات ، مؤتمرات،  مشاحنات ،،،  دراسات إستطلاعات الرأي عن تأثير كل عطسة من هذا الطرف أو ذاك ... كيف ظهر المرشح في الحوار، أناقته، سيطرته، ردوده، مراوغته ، أعجب النساء ... كل هذا من التشتيت والهدر المالي والنفسي والاجتماعي الذي لا يصب في صالح المجتمع ولا في وضع الخطط والاستراتيجيات بعيدة الأمد ...

 

ونذكر كيف كانت الحوارات التلفزيونية بين ترمب وبايدن عقيمة مملة طفولية مشاغبة ، لا ترقى حتى لحوارات أولاد المدارس  ...

 

والأدهى أن الإنتخابات ليست حصرا على الرئاسة والنواب ،،، بل هناك ما لا يحصى منها على مستوى كل ولاية ومقاطعة ومدينة وقرية وشارع، وجامعة ومدرسة ،،، عدا الانتخابات في آلآف النقابات والنشاطات العلمية والاجتماعية والصناعية والتقنية والترفيهية والسياسية والرياضية وما يتفرع منها  ...

 

ثم وبعد كل هذا، هي ليست ديموقراطيات بالمعنى المفهوم الحقيقي ... هي في الواقع تتحول وبالضرورة إلى إمبروطوريات مقنعة بالديموقراطية ...

فليس بمقدور أي إنسان أن يصبح رئيسا  أو عضوا في مجلس النواب كما يدّعون ، ولا حتى  رئيس جامعة أو عمدة مدينة ...  

فطالما أن "الشهرة" هي السبيل الوحيد لنيل الأضواء وبالتالي الأصوات الانتخابية ،،، فيجب أن يكون المرشح مشهورا سلفاً (رونالد ريغان – آرنولد شويزنيغر) ،،، أو غنيا فيستعمل ماله لتسليط الأضواء (بوش الأب - ترمب) ،،، أو مهادنا للأحزاب الموجودة فيوضع  في المنصب كذر للرماد في العيون (أوباما) ...

 

ثم عندما يتم تنصيب مسؤول، فسرعان ما يجهز أقربائه – كونهم مشهورون الآن – لينالوا ذات المنصب بعده (بوش الابن – عائلة كندي – كلينتون الزوجة ) ... فلا تتعجب والحال هذه أن يحكم أمريكا أحفاد بوش أو أبناء كلينتون وأوباما لأن الطريق ممهد أمامهم ، دون غيرهم ...

 

 في الحقيقة لا مفر من الأمر الواقع، وهو أن الملكيات والامبروطوريات هي الأكثر استقرار وثباتا في التاريخ ...

فالفراعنة حكموا لآلآف السنين، وكذلك الممالك الأوربية والتي لا تزال موجودة ، والدولة العباسية التي حكمت لنحو 500 سنة، ثم العثمانية، ثم الممالك الصينية واليابانية ...

 

حتى في التاريخ الإسلامي، فإن ما قيل أنه حكم ديموقراطي راشد أثناء فترة الخلفاء الأوائل الأربعة، فقد كان دمويا ولم يستمر إلا لثلاثة عقود، ليعود فيستقر بالنظام الوراثي ...   

 

وبالنسبة للديموقراطيات الحديثة، فهي لا تحمل من الديموقراطية إلا الاسم ،،، إذ سرعان ما تتجه الأنظمة المنتخبة للتحول نحو الملكيات ...

 

ولدينا كل الأمثلة من حولنا ...

سوريا ليست ملكية، لكنها أصبحت كذلك ،،،  

لبنان جمهورية، لكن يحكمها في الحقيقة أبناء ملوك الطوائف ...

مبارك في مصر كان في طريقه لتوريث أولاده الحكم لولا الثورة ... القذافي ، ولا زال ابنه يحاول ... علي عبد الله صالح ... صدّام لولا الحروب والغزو ... كوريا الشمالية ... الصين ...

 

 

ولو نظرنا لرأي الإسلام في الموضوع، فقد قرر القرآن أن هذه المسألة تخص المجتمع ليقرر فيها ما يراه مناسبا حسب الظروف المكانية والزمانية:

وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (الشورى:38) ...

 

فكلمة "شورى" هنا لا تعني الديموقراطية والانتخاب كما يعتقد الكثير ، بل تعني "ما يراه المجتمع" في هذا الشأن، فلو أقرّ أولوا الأمر والحكمة نظاما مناسبا ، فالقرآن لا يعارضه طالما أن الحقوق والدماء والأموال والكرامات محفوظة ...  

 

 

وهكذا، سواء بدأت بالملكية أو بالديموقراطية أو بالشيوعية ،،، فالنهاية والاستقرار سيكون للملكية التوريثية ، لأنه النظام الأكثر استقرار ... والاستقرار هو العامل الرئيسي للنماء والازدهار ...

 

 

 

د. نبيل أكبر ...

حرر في 5 / سبتمبر / 2021 ...

 

 

 

 

 

 


الثلاثاء، 3 أغسطس 2021

المسابقات الأولمبية أحد أشكال الظلم للإنسانية ...




 


 

المسابقات الأولمبية أحد أشكال الظلم للإنسانية ...

من أصدق الأمثال الشعبية هو "كل ما يزيد عن حدّه، ينقلب ضدّه" ...

في الحقيقة هذا هو معنى "إقامة الميزان" ...

 

 

لأن الكون قائم على أساس الجمع بين زوجين متناقضين ، ومن خلال تفاعلهما صراعا وحبا، قربا ونفرا ، يحصل التكاثر والنماء ...

وكلما كان التوازن والعدل بين الطرفين ، كلما زاد النماء والخير ...

وعلى العكس، لو طغت كفّة أحد الطرفين، يفسد ذلك الشيء ...

 

فنحن بحاجة لبعض الخوف لنتجنب المخاطر كي لا نمرض أو نموت، وبحاجة لبعض الشجاعة أيضا كي لا نذبل ونضمحل ...

ولو طغت الشجاعة تهور المرء وضر نفسه، ولو طغى الجبن، خاف وانعزل وأصبح كالمريض ...

 

وقليل من الألم يجعلنا نهتم بمصدر الخطر أو المرض فنعالجه لنحيا ونثمر ... وكثير منه يشتت قدراتنا فلا نعمل ...

وكثير من الصحة والفرح يجعلنا غير مهتمين بالصحة والوقت، فنعود لنمرض من جديد ...

 

 

بعض من الكرم يجعلنا دوما في حالة ثراء وعطاء ... وكثير من الكرم يفقرنا ويجعلنا بأنفسنا في حاجة للآخرين  ...

 

وهكذا، لكل شيء ميزان ...

 

وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (الحجر:19) ...

 

 

وللإنسان قدرات جسدية محددة ، ولو زاد وطغى طلبا للشهرة أو المال (كما في حالة الألعاب الأولمبية) فإنه لا محالة يظلم نفسه ويهلكها ...

 

فكسر الأرقام القياسية أحد أهم أهداف الألعاب الأولمبية ،،، فيسعى المشاركون للمنافسة بإرهاق أنفسهم بالجهد لسنوات طويلة تحت ظروف غير إنسانية وغير لائقة للقدرات البشرية المحددة،،، فيدفع الرياضي الثمن لاحقا غاليا ...

 

 

فكثير من أبطال الجري يعانون بسبب القلب أو انفجار شرايين الدماغ وحتى الوفاة  المبكرة، لأنهم كانوا يبذلون جهدا عظيما بلا توقف والجري لعشرات الكيلومترات كل يوم ...

  

هذا عدا أن آلآف الساعات التي بذلها الرياضي في الجري مثلا، كان بالإمكان صرفها في التعليم أو البناء ...

 

ومعظم لاعبي الغولف لديهم ظهور مكسورة لما تتطلبه اللعبة من برم للظهر ...

 

ولاعبي التنس الأرضي يعانون من مشاكل الكتف ...

 

ولاعبي تنس الطاولة من آلآم الظهر لأنحنائهم طيلة الوقت أمام الطاولة المنخفضة ...

 

ولاعبي كرة القدم من كسور وارتجاج في المخ وتقطع الرباط الصليبي ...

 

ولاعبي الاسكواش من أزمات قلبية أثناء اللعب لما تتطلبه من قفزات فجائية ...

 

 

وهكذا، نجد أن الإنسان يسعى لتحطيم الأرقام القياسية في الوقت الذي يحطم نفسه ...

 

والأهم هو أن الطبقات الفقيرة هي التي تسعى أكثر من غيرها بكل قوة للفوز والتألق من أجل الحصول على المال ...

 

فيبذل عشرات الآلآف منهم – بدافع الحاجة والفقر – الجهد الرياضي الغير إنساني في ظروف قاسية للخروج من دوامة الفقر والعوز والدخول في عالم الشهرة والمال والأضواء ... ثم من كل هؤلاء الكادحين لا ينال الفوز إلا عدد بسيط لا يتجاوز أعداد الميداليات الذهبية ،،، بينما يُهلكُ الباقين ...

 

وعلى شقاء هؤلاء الفقراء الكادحين – وخصوصا من إفريقيا – يكسب المنظمون وأصحاب الشركات الكبرى المليارت من خلال الدعاية والتسويق ...

 

نعم ... إنه سوق النخاسة بشكل جديد ...

 

 

 

https://alraqeem3.blogspot.com/2021/08/blog-post.html

 

 

 

د. نبيل أكبر ...

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


الأربعاء، 2 سبتمبر 2020

ما معنى إبصار يعقوب بقميص يوسف ... والتبرك بقبور "الأولياء"؟؟؟







أفلا يبصرون الحلقة الأولى: https://www.youtube.com/watch?v=5MGsotT-Jlc&t=18s



حساب الفيسبوك: 
https://www.facebook.com/Alraqeem333/





أحد الأدلة "الشرعية" على التبرك بـــ "الأولياء" وطلب الخيرات ودفع البلاء والكربات باستعمال آثارهم وأسمائهم وقبورهم وبركاتهم، هو التأويل الخاطئ لقصة إبصار النبي يعقوب بقميص يوسف، وذلك باعتبار ريح يوسف المباركة في القميص أعادت البصر ليعقوب ...



وهذا التأويل المغلوط  – وغيره - أدّى إلى الاتكالية والكسل ومن ثمّ التخلف الفكري والعلمي والجهل في جميع المناحي الحياتية والثقافية على مستوى الشعوب "الإسلامية"، من أقاصي المشرق إلى المغرب ...



فاكتفى الكثيرون بزيارة قبور الأموات طلبا للحاجّات الحياتية بدلا من العمل والبحث والدراسة والأخذ بالمادّيات والقوانين الفيزيائية التي ما وضعها الخالق تبارك وتعلى عبثا للكون ... وكان هذا ولا يزال أحد روافد التخلف والجهل والاتكالية والضياع التي تعيشها شعوبنا، التي طالما ارتضت طريق الخرافات والشعوذات وسيلة ومنهجاً وطريقا، باسم المفاهيم الدينية المغلوطة ...  



فما تأويل قصة قميص يوسف إذن ؟؟؟



يعقوب آثرَ يوسفَ على إخوته لعلمه أن شُعْلة النبوّة التي ورثها عن آبائه إبراهيم وإسحاق ستمرّ من خلال يوسف دون إخوته للأجيال اللاحقة. وهو أدرك هذا من الرؤى التي وقعت ليوسف ومن شخصيته. ومن الطبيعي أن يدرك إخوته الأمر، فقاموا بما يلزم من المكائد:   


إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُءيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا، إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5) وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ، إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6) ...


والنعمة هنا حملُ مشعل النبوة للذّريات اللاحقة ...


وبذا نفهم الحبّ والتفضيل الزائد ليوسف، إذ هو ليس حبا فطريا عاديا من والد لولد، بل هو حبّ للنبوة أن تستمر، ولا تنقطع عند يعقوب ... هذه الصّلة المقدّسة التي لا تنطفئ:


إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (آل عمران:34)




وقلنا في مقالات أخرى أن الألوان في القرآن، وكذلك العمى والإبصار، والموت والحياة، وغيرها من المفردات لا تعني المفاهيم المادية المعروفة، إلا بوجود قرينة تصرفها عن معناها الأكبر والأسمى، أي المعاني الروحانية ... إذ كما فصلناه مرارا أن كل كلمة، بل وكل خلق، له معنيان، أحدهما مادي، وآخر يقابله روحاني ...


فالعمى والموت مثلا يعنيان الضلال، والإبصار والحياة يعنيان النور والهدى ...


صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (البقرة:18) ...



ولا نفهم أن هذه الصفات تُحمل على ظاهرها ! فهم يسمعون ويتكلمون ويشاهدون، لكن سمعهم أصمّ منحاز لما يشتهون، وكلامهم  أبكم هراء لا أساس له ولا فائدة ترتجى، ونظرهم أعمى إلا ما يناسب أهوائهم من قول وفكر ...  



وبهذا، فإن الوصف بالأبيض وغيره لا يعني اللون الأبيض المتعارف عليه، بل أمر آخر ...



فما المقصود إذن بقوله تعلى:


وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) ؟؟؟



البياض من "البَيْض"، كأن نقول ازدهرت فـــ أصبحت كالزّهرة ... اشتعلت فأصبحت كالشعلة ... أو التهبت كاللهب ... أو تكَوّرت كالكرة ...



والبَيْض رمز للكثرة والخصوبة والعطاء ... فكل الخلق الحي قائم أساسا على تلقيح بويضة !!! !!! !!!


وبذا، فمعنى "ابْيَضَّتْ" أي أصبحت خصبة كالبيضة ...



والخصوبة في الشيء هي كثرة ووفرة العطاء ... فمزرعة خصبة لو كان نباتها كثيرا متنوعا ... والعقل خصب لو كانت أفكاره وافرة متنوعة ...


وهكذا، فلكل شيء خصوبته التي تحدد كمية عطائه ...


والعين خصبة لو كان عطائها وافرا، أي كانت دموعها كثيرة غزيرة ... كما السحب خصبة لو مطرها غزير وافر ...



وهذه هي حالة يعقوب الذي كانت عيناه خصبتان تجودان بالعطاء حزنا على يوسف... كما قال ابن الرومي في قصيدته الخالدة يستجدي  عيناه:


بكاؤكُما يشْفي وإن كان لا يُجْدي ... فجُودا فقد أوْدَى نَظيركُمُا عندي
سأسْقِيكَ ماءَ العيْن ما أسْعَدَتْ به ... وإن كانت السُّقْيَا من الدَّمْعِ لا تُجْدِي
أعَيْنَيَّ جُودا لي فقد جُدْتُ للثَّرى ... بأنْفِس ممَّا تُسأَلانِ من الرِّفْدِ




وصفة "كَظِيم" في السياق "وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ" تناسب تأويلنا، لأنها تعني لغة "الممتلئ / المحبوس / المكتوم" ... فقد كانت عينه وافرة مليئة بالدموع كنتيجة حتمية لامتلاء نفسه هو بالأشجان والآمال والأحزان ...
وكأن تكون بئر الماء وافرة الضخ في المزرعة لو مكمن الماء باطن الأرض مليئا ومضغوطا ...     



بهذا، عدم بصيرة يعقوب "فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا" لا تعني كفاف العين، بل تشتته وضياعه وحيرته بين ما يؤمن به من كون يوسف حيّ وسيحمل شعلة النبوة، وبين أكاذيب أحد عشرة إبنا له، كلهم يدّعون موته على قلب رجل واحد ...  
وعادة الكذبة قد تدوم لفترة بسيطة من شخص واحد، لكن أن يكذب كل هؤلاء لسنوات مستمرة بينما والدهم يتعذب أمام أعينهم، ولا يضيق أحدهم بالكذبة ليبوح لوالده بالحق ... فهو نادر الحصول !!!



لذا كان يعقوب "لا يبصر" حقيقة ما حصل ليوسف طيلة هذه السنوات ...
ونحن نستخدم هذه المفردة – الابصار – كثيرا في حياتنا ... فمثلا العالم اليوم "لا يبصر" حلاً لفيروس الكورونا، وليس معنى هذا أن العالم أصبح كفيفاً ...


أو قد لا تبصر حلاً لمشكلة تواجهك حاليا ...




وكانت تأتي ليعقوب نبوءات ورؤا طيلة هذه السنوات تبين له أخبار يوسف، وكان يأمل منها خيرا ويخبر بها أبناءه، ولكنهم يردّونه ... وهي في النهاية رؤا وأحلام تبقى بلا معنى إلا لو تحققت على الواقع:


قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) ...


وعبارة "وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ تعني الأخبار الغيبية التي كان يراها ...



وقبل أن تفصل العير عائدة إلى يعقوب رأى حلما أو جائته نبوءة بالبشرى: وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ، لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94)  ...




وكلمة "لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ" تشير أنه كثيرا ما  تحاور مع أبنائه حول عودة يوسف بناء على رؤياه ...



قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95) ...


الضلال القديم هنا هو ذاته "عدم ابصاره"، إذ كما أسلفنا أن العمى وعدم الابصار في القرآن يعنيان "الضلال" ... وبالفعل كان يعقوب ضالا لا يبصر في شأن حياة يوسف من عدمها ...  


فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96) ...


وهكذا، عندما عاد البشير بقميص يوسف وألقاه على وجه أبيه، اشتم يعقوب رائحة يوسف فعلياً مادياً، فأدرك أن جميع النبوءات السابقة وأحلامه كانت صادقة، فـــ "تبين" له أنه كان على الحق واتضحت الآن الصورة ووضعت النقاط على الحروف ...


فـــ   ارْتدَّ وعاد لإيمانه  السابق المذكور في مطلع السورة بأن يوسف هو حامل شعلة الأنبياء: 



وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ، إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6) ...






ملاحظة 1 ...

لماذا أرسل يوسف قميصه مع البشير، أليس كلام البشير كافيا ؟؟؟
والجواب على هذا هو أنه لا يوجد أي عناء في إعطاء القميص بيد البشير ... فهي تعتبر كهدية معطرة برائحة ابن لأبيه مع البشرى ... فأنت عندما ترسل رسالة لشخص يكون من الجميل إرفاقها بهدية بسيطة ...


ثم هؤلاء أنبياء لهم إشاراتهم الخاصة بينهم ... فالقميص الذي تكرر ذكره 3 مرات في أول السورة ثم وسطها ثم آخرها له حكمة ... ومقال منفصل ...






ملاحظة  2 ...

من الأمثلة الأخرى لكلمة "بيضاء" في القرآن:
يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (الصافات:46)  ...


بيضاء هنا تعني كأساً خصبة كثيرة العطاء، ولا تعني اللون ... إذ ما الفرق بين كأس لونه أحمر وآخر أبيض ؟؟؟ لكن لو قلنا أن البياض هنا يعني الخصوبة والكثرة والبركة نجد أن المعنى قد استقام في الآية ...


بينما "بيضاء" في حق يد موسى تعني اللون البيض، وذلك لوجود قرينة "النظر":

وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (الأعراف:108) ...

وهذا تأويل يتناسب مع السياق لأن خروج اليد بلون أبيض فيه آية مادية، وهو ما كان موسى بحاجة إليه ...






ملاحظة  3 :


فصّلنا في مقال أن اللون الأسود في المصحف بالضرورة لا يعني ما هو متعارف عليه، بل العكس تماما فهو يعني الكثرة والغزارة والعمق:








حُررّ  في   1 / سبتمبر / 2020 م ...

د. نبيل أكبر ...