أحد الأدلة "الشرعية" على
التبرك بـــ "الأولياء" وطلب الخيرات
ودفع البلاء والكربات باستعمال آثارهم وأسمائهم وقبورهم وبركاتهم، هو التأويل
الخاطئ لقصة إبصار النبي يعقوب بقميص يوسف، وذلك باعتبار ريح يوسف المباركة في
القميص أعادت البصر ليعقوب ...
وهذا التأويل المغلوط – وغيره - أدّى إلى الاتكالية والكسل ومن ثمّ
التخلف الفكري والعلمي والجهل في جميع المناحي الحياتية والثقافية على مستوى
الشعوب "الإسلامية"، من أقاصي المشرق إلى المغرب ...
فاكتفى الكثيرون بزيارة قبور الأموات
طلبا للحاجّات الحياتية بدلا من العمل والبحث والدراسة والأخذ بالمادّيات
والقوانين الفيزيائية التي ما وضعها الخالق تبارك وتعلى عبثا للكون ... وكان هذا
ولا يزال أحد روافد التخلف والجهل والاتكالية والضياع التي تعيشها شعوبنا، التي طالما
ارتضت طريق الخرافات والشعوذات وسيلة ومنهجاً وطريقا، باسم المفاهيم الدينية
المغلوطة ...
فما تأويل قصة قميص يوسف إذن ؟؟؟
يعقوب آثرَ يوسفَ على إخوته لعلمه
أن شُعْلة النبوّة التي ورثها عن آبائه إبراهيم وإسحاق ستمرّ من خلال يوسف دون إخوته
للأجيال اللاحقة. وهو أدرك هذا من الرؤى التي وقعت ليوسف ومن شخصيته. ومن الطبيعي
أن يدرك إخوته الأمر، فقاموا بما يلزم من المكائد:
إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ
عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) قَالَ
يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُءيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا،
إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5) وَكَذَلِكَ
يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ
الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ
وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ
إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ، إِنَّ
رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6) ...
والنعمة هنا حملُ مشعل النبوة للذّريات
اللاحقة ...
وبذا نفهم الحبّ والتفضيل الزائد
ليوسف، إذ هو ليس حبا فطريا عاديا من والد لولد، بل هو حبّ للنبوة أن تستمر، ولا
تنقطع عند يعقوب ... هذه الصّلة المقدّسة التي لا تنطفئ:
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ
وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ،
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (آل عمران:34)
وقلنا في مقالات أخرى أن الألوان في
القرآن، وكذلك العمى والإبصار، والموت
والحياة، وغيرها من المفردات لا تعني المفاهيم المادية المعروفة، إلا بوجود قرينة
تصرفها عن معناها الأكبر والأسمى، أي المعاني الروحانية ... إذ كما فصلناه مرارا
أن كل كلمة، بل وكل خلق، له معنيان، أحدهما مادي، وآخر يقابله روحاني ...
فالعمى والموت مثلا يعنيان الضلال،
والإبصار والحياة يعنيان النور والهدى ...
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (البقرة:18) ...
ولا نفهم أن هذه الصفات تُحمل على
ظاهرها ! فهم يسمعون ويتكلمون ويشاهدون، لكن سمعهم أصمّ منحاز لما يشتهون، وكلامهم
أبكم هراء لا أساس له ولا فائدة ترتجى، ونظرهم
أعمى إلا ما يناسب أهوائهم من قول وفكر ...
وبهذا، فإن الوصف بالأبيض وغيره لا
يعني اللون الأبيض المتعارف عليه، بل أمر آخر ...
فما المقصود إذن بقوله تعلى:
وَتَوَلَّى
عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ
عَيْنَاهُ مِنَ
الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) ؟؟؟
البياض من "البَيْض"، كأن نقول ازدهرت فـــ
أصبحت كالزّهرة ... اشتعلت فأصبحت كالشعلة ... أو التهبت كاللهب ... أو تكَوّرت كالكرة
...
والبَيْض رمز للكثرة والخصوبة
والعطاء ... فكل الخلق الحي قائم أساسا على
تلقيح بويضة !!! !!! !!!
وبذا، فمعنى "ابْيَضَّتْ" أي أصبحت خصبة كالبيضة ...
والخصوبة في الشيء هي كثرة ووفرة
العطاء ... فمزرعة خصبة لو كان نباتها كثيرا
متنوعا ... والعقل خصب لو كانت أفكاره وافرة متنوعة ...
وهكذا، فلكل شيء خصوبته التي تحدد
كمية عطائه ...
والعين خصبة لو كان عطائها وافرا،
أي كانت دموعها كثيرة غزيرة ... كما السحب خصبة لو مطرها غزير وافر ...
وهذه هي حالة يعقوب الذي كانت عيناه
خصبتان تجودان بالعطاء حزنا على يوسف... كما قال ابن الرومي في قصيدته
الخالدة يستجدي عيناه:
بكاؤكُما يشْفي وإن كان لا يُجْدي ... فجُودا فقد أوْدَى نَظيركُمُا
عندي
سأسْقِيكَ ماءَ العيْن ما أسْعَدَتْ به ... وإن كانت السُّقْيَا من
الدَّمْعِ لا تُجْدِي
أعَيْنَيَّ جُودا لي فقد جُدْتُ للثَّرى ... بأنْفِس ممَّا تُسأَلانِ
من الرِّفْدِ
وصفة "كَظِيم" في السياق "وَابْيَضَّتْ
عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ" تناسب تأويلنا، لأنها تعني لغة
"الممتلئ / المحبوس / المكتوم" ... فقد كانت عينه وافرة مليئة بالدموع كنتيجة
حتمية لامتلاء نفسه هو بالأشجان والآمال والأحزان ...
وكأن تكون بئر الماء وافرة الضخ في
المزرعة لو مكمن الماء باطن الأرض مليئا ومضغوطا ...
بهذا، عدم بصيرة يعقوب "فَأَلْقُوهُ
عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا" لا تعني كفاف العين، بل تشتته وضياعه وحيرته بين
ما يؤمن به من كون يوسف حيّ وسيحمل شعلة النبوة، وبين أكاذيب أحد عشرة إبنا له، كلهم
يدّعون موته على قلب رجل واحد ...
وعادة الكذبة قد تدوم لفترة بسيطة
من شخص واحد، لكن أن يكذب كل هؤلاء لسنوات مستمرة بينما والدهم يتعذب أمام أعينهم،
ولا يضيق أحدهم بالكذبة ليبوح لوالده بالحق ... فهو نادر الحصول !!!
لذا كان يعقوب "لا يبصر" حقيقة
ما حصل ليوسف طيلة هذه السنوات ...
ونحن نستخدم هذه المفردة – الابصار
– كثيرا في حياتنا ... فمثلا العالم اليوم "لا يبصر" حلاً لفيروس
الكورونا، وليس معنى هذا أن العالم أصبح كفيفاً ...
أو قد لا تبصر حلاً لمشكلة تواجهك
حاليا ...
وكانت تأتي ليعقوب نبوءات ورؤا طيلة هذه السنوات تبين له
أخبار يوسف، وكان يأمل منها خيرا ويخبر بها أبناءه، ولكنهم يردّونه ... وهي في
النهاية رؤا وأحلام تبقى بلا معنى إلا لو تحققت على الواقع:
قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ
حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي
وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) ...
وعبارة "وَأَعْلَمُ
مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ"، تعني الأخبار الغيبية
التي كان يراها ...
وقبل أن تفصل العير عائدة إلى
يعقوب رأى حلما أو جائته نبوءة بالبشرى: وَلَمَّا
فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ، لَوْلَا أَنْ
تُفَنِّدُونِ (94) ...
وكلمة "لَوْلَا أَنْ
تُفَنِّدُونِ" تشير أنه كثيرا ما تحاور مع أبنائه حول عودة يوسف بناء على رؤياه ...
قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95) ...
الضلال القديم هنا هو ذاته
"عدم ابصاره"، إذ كما أسلفنا أن العمى وعدم الابصار في القرآن يعنيان
"الضلال" ... وبالفعل كان يعقوب ضالا لا يبصر في شأن حياة يوسف من عدمها
...
فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ
بَصِيرًا ، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا
تَعْلَمُونَ (96) ...
وهكذا، عندما عاد البشير بقميص
يوسف وألقاه على وجه أبيه، اشتم يعقوب رائحة يوسف فعلياً مادياً، فأدرك أن جميع
النبوءات السابقة وأحلامه كانت صادقة، فـــ "تبين" له أنه كان على الحق
واتضحت الآن الصورة ووضعت النقاط على الحروف ...
فـــ ارْتدَّ وعاد لإيمانه السابق المذكور في مطلع السورة بأن
يوسف هو حامل شعلة الأنبياء:
وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ
الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ كَمَا
أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ، إِنَّ رَبَّكَ
عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6) ...
ملاحظة 1 ...
لماذا أرسل يوسف قميصه مع البشير،
أليس كلام البشير كافيا ؟؟؟
والجواب على هذا هو أنه لا يوجد أي
عناء في إعطاء القميص بيد البشير ... فهي تعتبر كهدية معطرة برائحة ابن لأبيه مع
البشرى ... فأنت عندما ترسل رسالة لشخص يكون من الجميل إرفاقها بهدية بسيطة ...
ثم هؤلاء أنبياء لهم إشاراتهم
الخاصة بينهم ... فالقميص الذي تكرر ذكره 3 مرات في أول السورة ثم وسطها ثم آخرها
له حكمة ... ومقال منفصل ...
ملاحظة 2 ...
من الأمثلة الأخرى لكلمة
"بيضاء" في القرآن:
يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ
لِلشَّارِبِينَ (الصافات:46) ...
بيضاء هنا تعني كأساً خصبة كثيرة
العطاء، ولا تعني اللون ... إذ ما الفرق بين كأس لونه أحمر وآخر أبيض ؟؟؟ لكن لو
قلنا أن البياض هنا يعني الخصوبة والكثرة والبركة نجد أن المعنى قد استقام في
الآية ...
بينما "بيضاء" في حق يد
موسى تعني اللون البيض، وذلك لوجود قرينة "النظر":
وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (الأعراف:108)
...
وهذا تأويل يتناسب مع السياق لأن
خروج اليد بلون أبيض فيه آية مادية، وهو ما كان موسى بحاجة إليه ...
ملاحظة 3 :
فصّلنا في مقال أن اللون الأسود في
المصحف بالضرورة لا يعني ما هو متعارف عليه، بل العكس تماما فهو يعني الكثرة والغزارة
والعمق:
حُررّ في 1 / سبتمبر / 2020 م ...
د.
نبيل أكبر ...
