السبت، 5 يناير 2013

معنى : يمحوا الله ما يشاء ويثبت أي يمحوا حرف ا من مكان ويثبته في آخر



بسم الله الرحمن الرحيم

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً، وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتىَ  بِـءـايَةٍ  إِلاَّ بِإِذْنِ الله،  لِكُلِّ أَجَلٍ  كِتَابٌ {38}  يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ، وَعِندَهُ  أُمُّ الْكِتابِ  {39} وإن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ {40}

سأقومُ بتأويل الآيات أعلاه على ضوءِ ونور أمِّ الكتاب ((  ا  )) ... الذي هو مثلُ اللهِ سُبحانَهُ في القُرآنِ والذي توَّلدت واشتُقت وتحوَّرَتْ بليِّهِ وثنيِّهِ جميعَ الكتبِ (الأحرفِ والأرقام) الأخرى ... 

فمن المعْلُومِ أنَّ الأحرفَ والكتابةَ  تُمْحَى من مكانٍ ما لتوضعَ وتكتبَ وتُثَبتَ و تُرْسَمَ في مكانٍ آخرٍ من المصحف:

كأنْ يُمحَى من  رسم كلمةِ "سبحن" في أربعين موضعاً ويظهرَ ويُثبتَ في موضعٍ واحد  فتكتبَ "سبحان" في الآية 93 من الإسراء:   قُلْ سُبْحَانَ ربِّى هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً {93} ...


أو أن يُمحَى من كلمة " كتاب" فترسم "كتب"  في جميع المصحف (252 موضعاً)  لِيظهر "ويُثبتَ" في أربعةِ مواضع فقط فترسم "كتاب"  ...  وهذه المواضع هي:

لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ  (الرعد:38)

وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلا وَلَهَا كتابٌ مَّعْلُومٌ (الحجر:4)

طس  تِلْكَ ءَايَاتُ القُرءَانِ وَكِتابٍ مُّبِينٍ (النمل:1)

وَاتْلُ مَا أوحِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ، لَا مُبَدِّلَ لِكَلِماَتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً (الكهف:27)



أو أن يُمحى من كلمة " قُرْ ءَ ا نَاً" في موضعين:

من الآية 3 من الزخرف: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْءَ     نَاً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ {3}

ومن الآية 2 من يوسف:  الر تِلْكَ ءَايَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ {1} إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْءَ    نًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ {2}


لِيظهرَ  "ويُثبتَ"  في جميع المواضع الأخرى (68 موضعاً)  برسم " قُرْءَ  ا  نَاً" ...


وهذا المقصودُ  بقولهِ تعالى {يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ، وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتابِ} ... وعِندهُ أي بمُلكِهِ هذا الكتابُ ((  ا  )) الذي هو أمُّ الكتابِ. فيضعُه سُبحانَهُ أينما شاءَ في القُرآنِ، ويحذفُه مما شاءَ ...  ولا ينبغي فهم {وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتبِ} بالموقع والمكان الجغرافي قريباً منه تعالى! فاللهُ سبحانه لا يتجسدُ في مكان لِيكونَ هذا الكتابُ بقربه ... سبحانه وتعالى ...


أو أن  يختفي  من كلمة {فَادَّر    ١ء       تُمْ} من الآية 72 من البقرة :

وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسَاً  فَادَّر    ١ء      تُمْ  فِيهَا .... {البقرة: 72}

لِيظهر في الآية 21 من النمل:  لأعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ  لأ  ا  ذْبَحَنَّهُ  أَوْ لَيَأْتِيَنِّى بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ...   

فمحْوُ وتثبيتُ هذا الحرف هنا وهناك  ليس مجردَ مصادفاتٍ عابرةٍ، ولكنَّه آيات بليغة  حفِظَها سُبحانَهُ لأمته آخر الزمان.   فلقد كان سيِّدنا رسُولُ اللهِ يعلمُ بهذا الأمر فأحسَّ بأنَّ أمَّته ستضِلُ بشأنِ إبطان معنى "أمُّ الكتبِ" في القُرآنِ، وبالتالي سيكونُ هناك انحرافٌ جراءَ سُوءِ فَهْمِ الآية 39 من الرعد قيد التفسير والآية 7 من آلِ عمرانَ التي تكلمنا عنها مُطولاً وعن إساءةِ فَهْمِها وأضرار ذلك على الأمة وخاصةً في قضية نسخ القرآن.

ولعلمِ سيِّدنا رسُول الله بهذا الضلالِ القادم في أمتِهِ، أشفقَ عليهم وتمنى ورغب أنْ يسمحَ له تعالى بتفسير القُرآنِ للناس وتحديداً معنى "أُمُّ الْكِتبِ"، وأنَّها آيةٌ من آياتِه تعالى، وأنَّها حرفُ (( ا )) المُمَثلِ لله تبارك وتعالى في القُرآنِ .... ولكنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لمْ يأذنْ له. بل ذكَّرهُ بأنَّ هذه آيةً من آياتِ  المستقبل لذريته وأنَّ أَجَلَهَا (أي وقتها) لمْ يحنْ بعد، وهذا معنى قوله تعالى : وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْواَجًا وَذُرِّيَّةً، وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتىَ بآية إِلاَّ بِإِذْنِ الله، لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَــابٌ {38} ... 

وبينا في أماكن أخرى  أنّ الرقمَ (8) يعني (الفتح) وأنَّ الرقمَ (3) يعني الهدى يخرج من الظلمات ... فيكونُ ترتيبُ الآيةِ 8 3 هو : فتح الهدى ... فهو إذاً فتح مؤجل  ...

ومما يُؤكدُ هذا التأويلَ هو أنَّ كلمةَ " كتــاب" مع رسمِ ألفِ المدِّ فيها وردت 4 مراتٍ فقط  في جميع المصحفِ، أحدها هنا {لِكُلِّ أَجَلٍ كتــاب} ... أي أنَّ هذه الآيةَ التي تطلبُ الإذنَ بقولِها يا محمد، لم يأتي أجلُها، وحين يأتي أجلَها ستظهرُ وتبانُ كما هو زائدٌ وبيِّنٌ هذا الحرف في عبارة { لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَــاب}  ...


كذلك فمنَ المعْلومِ بالضرورةِ لُغةً أنَّك إذا ذَكَرْتَ نكِرةً ثمَّ ذَكَرْتها مُعرفةً، فإنَّ المُعَرَّفَةَ هيَّ نفسُها النكرةُ. فمثلاً إذا قلتَ: عندي كتاب، وبعد قليلٍ قلتَ: ضاعَ الكتاب، فهذا الكتابُ الضائع الذي عرَّفتهُ بـ " ال " هو نفسه الذي كان عندك.



فلو نظرنا إلى الآيات قيد التفسير نجدُ أنَّ كلمةَ {كتاب} من {لِكُلِّ أَجَلٍ كتاب} جاءَتْ نكرةً في الآيةِ 38 بينما {أُمُّ الْكِتابِ} في الآيةِ بعدها جاءَتْ مُعرفةً بـ "ال"، فتكونُ {أُمُّ الْكِتابِ} من الآية {39} لا محالةَ هي المعنيَّةَ بالـ "كتاب" من الآية {38}. بطريقةِ عرضٍ أخرى:

لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَـــا بٌ  {38} يَمْحُوا  اللهُ  مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ، وَعِندَهُ  أُمُّ الْكِتابِ  {39}


إذاً {أُمُّ الْكِتابِ} في الآيةِ 39 هي نفسُها المعنيَّةُ في {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَـــا بٌ} في آخر الآيةِ  38 ...
ولأنَّ (( ا )) زائدةٌ في {لكُلِّ أَجَلٍ كِتَـــا بٌ} فلابدَّ وأنّها تحديداً {أمُّ الكتاب}...  


أمَّا معنى {وعندَهُ أمُّ الكتــابِ} أي : أنَّ أمَّ الكتابِ مُلْكٌ لله تعالى وبطبيعة الحال كُلنا مُلْكٌ لله ... فلا ينبغي فَهْمُ {وعندَهُ} بمعنى الموقعِ المكانيِّ إذ ليس اللهُ جلّ جلاله مُجسداً ليكون له موقعٌ محددٌ مُجَسدٌ، فكُلُّ شيءٍ إنما هو "عِندَه" أي "بمُلكِهِ" ... 


للتأكيد على معنى أنه تعالى أرجأ وأبطن بعض الأسرار لأمة الإسلام ما جاء في سورة القيامة:

لا تحرك به لسانك لتعجل به (16) إن علينا جمعه وقرآنه (17) فإذا قرأناه فاتبع قرآنه (18) ثم إن علينا بيانه (19)  كلا بل تحبون العاجلة (20) وتذرون الآخرة (القيامة:21)

واختلفت التأويلات في الآيات أعلاه في معنى "لا تحرك به لسانك لتعجل به". والمعنى من منظور الآية 38 من الرعد هو أن سيدنا محمدا كان على علم بهذه الأمور المبطنة والتي ستؤدي إلى خلل عقدي في أمته كما حصل فعلا فأحبّ أن يظهرها تعالى صريحة في قرآن منزل ولذا فقد كان عليه الصلاة والسلام يسرع في التلاوة لينهي واجبه في الفهم القرآني كي يتنزل عليه الباقي الذي كان ينتظره بشوق.
فالطالب المجتهد ينهي دروسه بحماس وشغف أولا بأول كي يقنع المدرس بأهليته بتقبل الدروس القادمة  وبالتالي يعجِّلُ الدروس القادمة.  
لكنه تعالى أخبر سيدنا محمدا بما يلي:

لا تحرك به لسانك لتعجل به (16): أي ما من داع يا محمد للعجلة، فالأمر ليس هكذا.

إن علينا جمعه وقرآنه (17): فنحن، سبحانه، يامحمد تكفلنا بجمع القرآن وقراءته. وهو ما حصل من جمع للقرآن الكريم كتابة أثناء فترة الخلفاء أبي بكر وعمر وانتهى في زمن عثمان.

فإذا قرأناه فاتبع قرآنه (18): وعليك اتباع القراءة.

 ثم إن علينا بيانه (19): ونحن، سبحانه، سنبين هذه المعاني المبطنة مستقبلا.
نلحظ أن كلمة "ثم" تفيد التوالي مع التراخي والذي قد يكون زمنا طويلا.

كلا بل تحبون العاجلة (20) وتذرون الآخرة (21): وكلمة "الآخرة" أيضا تأكيد للإرجاء.

نلحظ إن كلمة "بيانه" جاءت في نهاية الآية التاسعة عشر. ولقد تكلمنا طويلا في عدة مقالات أخرى عن "بيان" سر التسعة والتسعة عشر في معرض دراستنا لسورة العلق ومريم وغيرها.


وبالإضافة للفتح الذي فصلناه من الرعد والقيامة، نأتي تاليا لسورة الليل وندرسها من هذا الجانب.

جاء في سورة الليل:

إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى   {12} وَإِنَّ لَنَا للآخرة والأولَى   {13}  فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى  {14}

قيل إنَّ المقصودَ بالآخرة والأولى الخلق أول الأمر وإعادته مرةً أخرى يوم القيامة.  ولكن بهذا التأويل العام لن نجد علاقة بين الآخرة والأولى من الآية 13  وبين الهدى في الآية 12؟  فما المقصود بالآخرة والأولى إذن؟ هذا ما أبينه تالياً ...

لابد أنَّ القمر والظلمات مرتبطان بذِكر الليل ...

والقمرُ مرتبطٌ بالعدد 12 في كتاب الله يومَ خلقَ السموات والأرض:
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِى كِتَبِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ {التوبة: 36}
وهو مرتبطٌ  أيضاً بالنور والنور يعني الهُدى وبهذا ثبت ارتباط الهُدى بالعدد 12:    

الهُدى  >  النور  >  القمر  <  العدد  >  12

والظلمات بدورها مرتبطةٌ بالجهل والضلال كما جاءت الإشارات إليه عدة مرات في القرآن الكريم ...

فما علاقةُ سورة الليل بهذين الأمرين، أي الهُدى والضلال؟

من منظورنا اسم السورة "الليل" يشير إلى الضلال ولأنَّ الله تبارك وتعالى لا يرضاه لعباده فسيرسلُ لهم من يهديهم ويخرجهم من هذا الضلال والظلمات مرتين. المرة الأولى بنور القرآن على سيد الخلق محمد، والمرة الثانية مستقبلا. لهذه الأسبابِ جاء ذِكرُ الهداية في سورة الليل في الآيةِ 12 : إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى  {12} وَإِنَّ لَنَا للآخرة وَالأولَى  {13}  ...  

فعند ظلماتِ الليل لا يُنير إلا القمرَ، وعند ضلالات الناس لا يُنيرُ إلا الهُدى.

ليس هذا وحسب، بل هو إنذارٌ ووعيدٌ شديدٌ لمن يُكذب بهذا الأمر. فلقد وردت مفردات معاني "نَذَرَ" أي حذر (ءأنذرتهم، تنذر، نذير، منذرين، ... )  125 مرة في المصحف الشريف وكان آخر ورودٍ هو ما جاء في الآية 14 من هذه السورة {فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى} ....

بل إنَّ أكثرَ سورةٍ استحواذاً لكلمات الإنذار في المصحف كله هي سورة القمر بواقع 12 مرة ...

وأخيراً فإنَّ ترتيب السورة هو 92 وهذا جمل اسم  "محمد"...    


والحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على خير المرسلين
سيدنا محمد وآله