بسم الله الرحمن الرحيم
يذهب
بعض اللغويين إلى أن حرف الألف (ا) ليست
حرفاً أصليا مستقلة بذاتها لخروجها من جوف الفم إذ ليس لها موضع تعتمده في الفم. ولذا
فحين وضعوا المعاجم لم يدخلوها في عدد الحروف اللغوية ولم يفردوا لها باباً خاصا،
بل أدخلوها في الواو والياء اللّتانِ يقال أنهما أصلان لها.
فالألف من هذا المنظور منقلبة عن الواو أو الياء، فهي في ظاهرها
ألف، وفي حقيقتها واو أو ياء، حسب زعمهم ...
موضوع
الأحرف اصطلاحي شائك بامتياز وفيه أقوال مختلفة يصعب الأخذ بأحدها من دون غيره.
لذا
فمن الأصوّب العودة للرسم العثماني للمصحف الشريف إذ إنه الأصل والمرجع للسان
العربي، وليس العكس. فاللغات تتغير وتتطور لكن القرآن الكريم محفوظ رسما ومعنى كما
ورد وكما هو عليه معظم الناس. كما إن
اللغة صوت يعبّر عن معنى وأشياء أخرى، أما الكتابة فليست اللغة، وإنما هي
تسجيل للغة.
وفي
هذا المقال أبين أن الألف ليست منقلبة عن الواو والياء، بل على العكس هي الأصل
لهما ولكل الأحرف الأخرى.
كما إنني بالتأكيد لست مع القول بحذف حرف الألف (ا) أو أي حرف آخر للأسباب
التي سأوضحها فيما يلي:
فنحن لحد الآن لا نفهم الكثير عن الأحرف ومعانيها !!! وكذلك الأرقام ومعانيها !!!!!
فمن منظوري (الذي أثبته من القرآن الكريم) أن لكل حرف في العربية
ولكل رقم معنى مستقل بذاته.
مثلا الرقم تسعة يعني حسابيا تسعة من الشيء لكنه يحمل معاني أخرى لا
علاقة لها بالعدد والحساب. لمعظم الأحرف والأرقام سأعرض مستقبلا إن شاء الله تعالى
موضوعا مستقلا، ولا يتسع لها المقام هنا.
فمثلا الرقم واحد:
فعلم الحساب نفسه يوحد الله تعالى ويقوم على الوحدانية، ومن ثَم جميع
العلوم الهندسية والفلكية والكيميائية وغيرها من العلوم الكونية والقوانين
الطبيعية التي تحكمُ الخلق وتضبطه وتسيّره، لأن هذه العلوم تقوم أساساً على علم
الحساب وقوانينه.
ولكن كيف يوحد علم الحساب الله تعالى؟
الجواب إن علم الحساب يقوم على مبدأ أن الرقم واحد هو أصل وأول
الأرقام. وكذلك فإن واحداً زائداً واحداً يساوي لا محالة اثنين! ومن هذا اثنين
زائداً اثنين يساوي أربعاً. وهكذا نشأ علم جمع الأعداد. ولو عرفنا كيف نجمع، فلابد
من أن نعرف كيف نطرح ونضرب ونقسم، وهكذا وبهذه الطريقة والتسلسلِ تطورت علوم
الحساب، ثم العلوم الكونية الأخرى.
فعلم الحساب كله يقوم أساساً على الرقم واحد، وهو الرقم الذي لا يقبل
القسمة على غيره، وهو أصل وأول الأرقام والذي يرمز لله الواحد تعالى، وهو رمز الوحدانية
(الواحد). بهذا، فعلم الحساب والعلوم الكونية والقوانين الطبيعية التي تحكم الخلق
وتضبطه تقوم أساساً على الوحدانية.
والشيء
نفسه يقال عن الأحرف. فحرف الألف أول
الأحرف العربية ومنه ومن استقامته تولدت الأحرف الأخرى وبالتالي الكلمات والجمل
والعبر والقصص والأشعار والآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والكونية كلها.
بهذا،
لو قرر الناس حذف رقم أو حرف لأي سبب بدون
إدراك لمعناه، فسيخلون بأمور أخرى بغير علم منهم. فمن هذا المنظور لا يصح حذف أي
حرف لأن ذلك سيحذف معانيه "التي لم ندرك معانيها بعد".
إذا
قررنا أن نتخذ القرآن الكريم ورسمه كحافظ
على اللسان العربي – وهو المبدأ الذي أقوم عليه – فعلينا التمعن في الرسم العثماني
المحفوظ، وهو ما أعرضه تاليا إذ أبين معنى أمومة الألف لغيرها من الأحرف، وأهميتها:
أولا: حرف
الألف أول حرف من لفظ كلمة الجلالة العظيم " الله "، جلّ جلاله.
ثانيا: هناك
سور كريمة تستهل بالأحرف المقطعة مثل "الم"، أو "ص" أو
"ق" وهذه الأحرف بحد ذاتها آيات لدرجة أن السور سميت بأسمائها.
فلو
حذفنا شيئا منها بلا فهم لمعانيها، فقد أخللنا بمعنى سور وآيات لم نزل نجهلها. فكل
كلمة وكل حرف في المصحف الشريف آية بحد ذاتها.
ثالثا: هناك
الكثير من "ظهور" أو "اختفاء" بعض الأحرف في المصحف بلا سبب
معلوم لحد الآن. فعلى سبيل المثال رسمت كلمة {لأ ا ذبَحنه} بزيادة حرف ألف مد في
الآية 21 من النمل. ولهذه المواضيع عدة بحوث غير منشورة بعد.
رابعا: بينا
في عدة أماكن من بحوثنا أن حرف الألف هو أم الكتاب أي أنه المُوّلد والمنتج لغيره
من الأحرف.
خامسا: حرف
الألف سمى "ألفا" من التأليف، والتأليف هو الجمع، فكيف نمحو
"المؤلف" ؟
سادسا: أُستبدل حرف ألف المد
(ا) في
184 موضعاً من المصحف الشريف بحرف الواو رسماً
لا نطقاً، كما في كتابة "الصلو١ة" عوضاً عن "الصلاة" . فلماذا تحور
(ا) إلى
(و١ ) رسماً؟ ما الحكمة والدلالات؟ هذا ما نجيب عليه تاليا:
جميع
الحروف العربية يمكن النظر إليها وكأنها ولِّدت وتحوّرت
من أُم الكتب (ا)، أي أم الحروف كما تكلمنا عنه بالتفصيل عند دراسة عدة سور.
فاختيار
184 موضعاً لإظهار هذه الولادة جاء
كمثال وشاهد حي على ذلك. أي أنه تعالى ضرب لنا مثلا عملية ولادة حرف الواو من
الألف كمثال فقط على عملية ولادة جميع الأحرف الأخرى ...
وللإشارة
والتدليل على معنى ولادة الأحرف من أمها، فإن الولادة حصلت فقط في كلمات تعني النماء
والولادة والزيادة والبركة.
من
هذا المنظور يكون المعنى: أنا أم الحروف (ا)، تحورت إلى رسم (و١ ) في كلمات
دالة على الولادة والزيادة والبركة لأضرب لكم أمثلة حية بأن جميع الأحرف الأخرى
(ب، ن، ط، هـ ، ... إلخ) إنما هي مني ومن
بركتي وزيادتي ونوري، فأنا أم الكتاب المباركة المعطاءة التي أرمز لله الواحد
تعالى ...
كما
وأنه أيضا يمكن تصور تحوير أم الكتاب الألف إلى حرف "و" كتلميح إلهي لـ ولادة شيء
من شيء ... إذ إن حرف "و" هو أول أحرف كلمة " ولادة " ...
نلاحظ
مما يلي أن جميع الكلمات التي تحور فيها
حرف (ا) إلى (و١ ) في
المصحف تأتي جميعا بمعنى
التكاثر والزيادة والخير والبركة والنماء والعطاء، كما يلي:
- وردت
"الصلو١ة"، "صلو١ة"
مفردة في القرآن 69 مرة. ولم تردْ أبداً برسمِ "صلاة"، والصلاة
صلة بالله تبارك وتعالى، فهي بركة ونماء للخير ...
- وردت
كلمة "الحيو١ة"، "حيو١ة" في القرآن 71 مرة، ولم ترد برسمِ "حَياة" البتة
ذلك لأن الحياة (الإنسان – الحيوان – النبات) تعرف ابتداءً – من منظور البشر
– بالتوالد والتكاثر، فأي كائن لا "
يتكاثر " ليس حياً ...
- وردت
كلمة "الزكو١ة"، "زكو١ة"
في القرآن 32 مرة، ولم
ترد قط بشكل "زكاة" ذلك لأن الزكاة إنما هي نماء المال ...
- وردت
كلمة "الربو١ا"، "ربو١ا" بهذا الرسم في
القرآن 7
مرات، لأن الربا هو نماء وزيادة " ظاهرية" في المال ...
- وردت
كلمة "مشكو١ة" في القرآن مرة واحدة وذلك في سورة النور والمشكاة فجوة في الجدار يوضع
النور فيها لتزيد قوة إنارته ...
-
وردت كلمة "النجو١ة" بمعنى النجاة في
القرآن مرة واحدة، والنجاة خير واستمرار حياة ... والخير والحياة نماء وبركة ...
- وردت
كلمة "غدو١ة"،
"الغدو١ة" مرة لكل منهما في القرآن، والشيء
في الغد عادة ما يكون أكثر وأكبر مما هو عليه اليوم، إذ تتكاثر وتنموا المخلوقات
بمرور الأيام ...
-
وأخيراً فقد وردت كلمة " منو١ة " مرة واحدة ...
ولم يذكر في التفسير أصلا لهذا الصنم، إلا أنه قيل أن الاسم مشتق من
"المنان" وهو اسم يدل على العطاء والمنة.
وقد يكون تلميحا كذلك أن يظهر رسم الألف الخنجرية كرمز للوالد (( ١ )) فوق المولود ( و ) في
إشارة إلى الولادة. إذ إن الوالد يكون أعلى من الولد ...
وكذلك، الفرق بين
الكلمتين "نار" و "نور" هو ألف استبدلت بواو.
مما يؤكد منظورنا من أصل
اللغة هو كلمتي "نار" و
"نور".
فتحور الألف واواً في الكلمة
أدى إلى تحور المعنى من "مُوَّلدٍ" إلى "وَلَد" إذ إن
"النور" لا يخرج في الطبيعة إلا من "نار" أو طاقة مشابهة.
سابعاً: تحور
حرف ألف المد إلى ياء (ي) رسما لا نطقا في العديد من كلمات المصحف كما في الكلمات:
التوراة،
نجواهم، مأواه،، أتاهم، أتاكم، هدانا، أراك، لفتاه، هواه، يجزاه، ....
فلو
كان الألف أول الأحرف، ثم تحور إلى واو كما بيناه ثم أخيرا إلى ياء والتي هي آخر
الأحرف العربية، أفلا يدل ذلك على أن الأحرف كلها ما بين ذلك إنما تحوّرت وتولدت
من أمها الألف؟
ثامنا: القمر وما يخفيه!
تكلم
الأقدمون عن التشابه بين الأحرف العربية والقمر. فعدد الأحرف العربية 28 هو نفسه
عدد منازل القمر. كما تكلموا عن طبائع الحروف وخصائصها.
كما
نلحظ ولادة القمر من هلال رفيع على شكل الألف ثم تغيره تدريجيا إلى البدر الكامل.
وهكذا الأحرف العربية بأشكالها إذ تتولد من الألف بتثنيات مختلفة.
يدور
القمر حول الأرض منذ مئات الملايين من السنين بصبر وسكون ولا يظهر للأرض إلا وجها واحدا ويخفي ويبطن الآخر.
والسبب هو أن دورة القمر حول محوره (يوم القمر) هي نفسها دورته حول الأرض في الشهر
الاقتراني الواحد.
وقد
بينا في مقال وفلم مفصل أن كتاب الخلق المبين وكتاب القرآن الكريم أصلهما واحد،
ولذا فيجب أن يتفقا في الأسباب والغايات والحكم.
من
هذه الحكم "البالغة" الإشارة للأحرف وإظهارها لأوجه وإخفائها لأوجه أخرى.
فليس
من مصادفات عبثية فجائية في خلقه تبارك وتعالى، فكل شيء فيه يشير إلى الواحد،
سبحانه.
فالإشارة
من إبطان القمر لوجه واحد (ولذلك أسباب علمية صِرفة بطبيعة الحال) هو الإشارة
للإنسانية جمعاء بوجود أمور مبطنة في الخلق غير التي يراها. فما الذي يبطنه القمر؟؟؟
تاسعا: الآية
الأولى من سورة النساء
الكريمة:
يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس
واحدة
وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء،
واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام،
إن الله كان عليكم رقيبا {النساء :1}
فالآية الأولى
من
النساء تحمل معاني الأمومة لأنها ببساطة "أول آية"
من السورة التي يحمل اسمها "النساء" معنى الأمومة، إذ تقول الآية أن الناس جميعاً خلقوا وبثوا من نفس واحدة. إذاً فهذه النفس هي أم
الأنفس.
وبالرغم من كون ترتيب هذه الآية حساباً من أول المصحف هو 494، فمن المدهش
أنها أول آية تنتهي بحرف (ا)
من أول المصحف وذلك في كلمة {رقيبا}! وهذا مما يشير إلى أن حرف (ا) هو "أم
الكتب"
لأن في هذه الآية الدالة على الأمومة أول
ظهور
له من بداية الكتاب (المصحف) ...
((وفقط)) لمن
يعتقد بعلوم حساب جُمّل الأحرف، نضيف ما يلي:
ترتيب الآية حساباً من أول المصحف هو 494 ومن المدهش أن هذا العدد هو
نفسه جمّل أي وزن عبارة
(أم الكتب)!
أي أن ترتيب أول آية من السورة التي يحمل
ترتيبها اسمها معنى "الأمومة"
حسابا من أول المصحف هو 494 أي (أم الكتب) ....
كذلك ففي المصحف الشريف
6236 آية. تنتهي 949 منها
بحرف أم الكتب (ا)،
فما هو العدد 949؟
أوَّلاً : هو مشابه ومناظر العدد 494 والذي قلنا أنه نفسه جُمّل عبارة " أم الكتب "
...
ثانياً : العدد 949 هو جمل عبارة {صرط مستقيم} ... ومعلوم أن " أم الكتب (ا) مستقيم
... بل هو أصل الاستقامة لأنه يرمز لله الواحد الأحد ...
في النهاية أشير إلى لطيفة. فالإنسان الذي خلقه
البارئ عز وجل كثيرا ما يكفر بخالقه الكريم
ويجحد.
والأبناء
الذين ولدوا من أمهاتهم كثيرا ما يجحدون ويعقون أمهاتهم اللائي ولدنهم.
فهل تجحد الأحرف أمها !؟
سبحانه وتعالى عما نقول علوا كبيرا
جلّ جلاله وتقدست أسمائه