بسم الله الرحمن الرحيم
وردت آيات الاستواء على العرش سبع مرات في القرآن الكريم:
أولا:
إِنَّ رَبَّكُمُ
اللهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأرْضَ فِى
سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ
وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ،
تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ {54} ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا
يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ {55} وَلا تُفْسِدُواْ فِى الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً، إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ
الْمُحْسِنِينَ {الأعراف: 56}
ثانيا:
إِنَّ رَبَّكُمُ
اللهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، يُدَبِّرُ الأمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ
إِلا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ، ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ {يونس: 3}
ثالثا:
اللهُ الَّذى رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ
عَمَدٍ تَرَوْنَهَا، ثُمَّ اسْتَوى
عَلَى الْعَرْشِ، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ،كُلٌّ يَجْرى لأَجَلٍ مُّسَمًّى، يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ
رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ {الرعد: 2}
رابعا:
طه {1} مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ القُرْءَانَ لِتَشْقَى {2} إِلا
تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى {3} تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ
والسَّمَاوَاتِ الْعُلَى {4} الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى {5} لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا
فِى الأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى {6} وَإِن تَجْهَرْ
بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى {7} اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ
لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى {طه: 8}
خامسا:
الَّذِى خَلَقَ السَّمَاواتِ
وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى
عَلَى الْعَرْشِ
الرَّحْمَنُ فَسْـءـلْ بِهِ خَبِيراً {59} وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا
تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً {الفرقان: 60}
سادسا:
اللهُ الَّذِى
خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى
عَلَى الْعَرْشِ،
مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِى وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى
الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ
مِّمَّا تَعُدُّونَ {5} ذَلِكَ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ
الرَّحِيمُ {السجدة: 6}
سابعا:
هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ
فى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ، يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فى الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا
يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ
وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4) لَهُ مُلْكُ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ
وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمُورُ {الحديد:
5}
وأخيراً بالإضافة للآيات السبعة أعلاه، هناك غموض محير في آية العرش من
سورة هود:
وَهُوَ الَّذِى
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً، وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم
مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـذَا
إِلا سِحْرٌ مُّبِينٌ {هود: 7}
والغموضُ يكمنُ في كيفيَّةِ
حلول عرش الرحمن على مخلوقٌ ماديٌّ هو الماء؟ ولِمَ الماء؟ وهل الماء موضوع على
شيء آخر بدوره؟ ثُمَّ هل هذا العرشُ أخفُ وزناً من الماء ليطفوَ فوقه؟ من يقبلُ
أنْ يكون الله تعالى على العرش طافياً على ماء ؟
ولو قلنا أنَّ
العرشَ ماديٌ أيضاً، فسيبقى السؤالُ عن معنى قوله تعالى في
العديدِ من الآيات القرآنيةِ الأخرى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}... ماثلاً، إذْ لو كان
العرشُ ماديَّاً فقد يعني ذلك أنَّ الله تعالى ماديٌ كذلك، وهذا الاعتقادُ لا
يجوزُ بحالٍ من الأحوال إذ أنَّه تعالى لا يتجسدُ في شيءٍ أو على شيءٍ، سبحانه جلّ
جلاله.
ثم ما علاقةُ
كونِ
العرش على "الماء" بالابتلاء وعمل الإنسان {لِيَبْلُوَكُمْ
أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}؟
الاستواء على العرش كما
سيتضح موضوعٌ عظيمٌ كما ينبغي له أن يكون، وله أبعادٌ فكرية مهمةٌ للغاية، إذ به
سندركُ الكثيرَ من أسماء الله تعالى الحسنى، وبه ندرك أصل وسبب وجودنا، مما له
أعظمُ التأثير على سلوكيات وأعمال الناس. فالموضوع أبعد ما يكون عن كونه خلافاً
جدلياً نظرياً في علم المنطق والفلسفة.
ثم هل يُقبل أنَّ الله
الحكيمَ الخبيرَ يُخبرُ خلقَه بأمورٍ أكبر من أن يدركوها ويتصوروها؟ فلماذا نقبلُ مفهوم
أنه تعالى يخبرُنا عن أشياءٍ نظريةٍ لا طاقةَ لنا بإدراكِها وهو الخبير اللطيف
الذي يخبر بلطف ودقة وخفية؟
ولو قيل بأنه تعالى يجلس على
العرش، ماديَّاً كان أم روحانياً ليُبيِّن للخلق عظمتَه ومُلكَه، فيكونُ السؤالُ ولمَ
يحتاجُ الخالقُ لأنْ يُظهرَ عظمتَه وملكَه لمخلوق من طين؟ ثمَّ لنفترض (وهذا غير
مقبول إطلاقا) أنَّ الله تعالى يجلسُ على العرش ليبينَ ملكَهُ وعظمتَه، فمن الذي
شاهدَ ذلك بحيث تتأثر علاقته بربِّه تعالى؟
إنَّ من معاني
الاستواء لغةً
النضوجُ والجُهوزية (أي أصبح الشيءُ جاهزاً) كما جاء في قوله تعالى في حقِّ موسى:
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ
واسْتَوَى ءَاتَيْنَهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
{القصص: 14}
أو أنْ تقولَ استوى العِنَب.
بل نحن نستعملُ هذه الكلمةَ كلَّ يومٍ ... أوليست عبارة: "هل استوى الطعام"
مألوفةً؟
فمن معاني "الاستواء" لغةً ومن الآيات يمكن فهم أن
الاستواءَ هو الظهورُ والتجلي بالقدرةِ والأمرِ والتمَكُنِ في الوقت المناسب. فهو
تعالى {اسْتَوَى} أي ظهر وتجلى بقدرته وملكِه
وأمرِه على السماء والأرض في الوقت المناسب.
أما العرشُ
لغةً: عَرْشُ البيتِ
سَقْفُهُ. وعَرْشُ الرجل: قِوام أمره. والعَرْشُ المُلك. والعَرْشُ والعريشُ ما يُستظلُ به. وعَرْشُ الكَرَمِ ما يُدعمُ به
الخشب. وعَرَشَ الكَرْمُ: رَفَعَ دَواليهِ على الخشب وارتفع وظلَّل بجَناحيه من
تحته.
ويُقالُ اعترشَ العنبُ
عريشاً إذا عَلاه على العِراش. وعَرْشُ الطائرِ عُشُهُ. والعريشُ بناءٌ مؤلَّفٌ من
عَوارضَ من حديدٍ أو خشبٍ محمولةٍ على عواميد تعترشُه النَّباتات المُتسلقةُ.
والعريشُ ظُلَّة من شجر أو نحوه ...
وبهذا، فأخذُ
"العرش" بمعنى سرير المَلكِ حالَّةٌ خاصَّةٌ واشتقاقٌ من التعريف
الأساسيِّ الأشملِ والأدقِ والأنسبِ وهو "العَرْشُ والعريشُ" أي
"البناءُ والنظامُ الجامعُ والمظِلُ والداعمُ والحامي لما تحته". فـ
"عرشُ المَلكِ" مأخوذٌ ومشتقٌ من معنى"النظام الملكي الحاكم والمظل
والحامي لمن تحته" ... ثُمَّ اختزلَ هذا التعريفُ عند العامة ليشمل سريرَ
المَلك ومن حوله فقط ...
فقد يكون العرشُ بمعنى عَريش
العِنَبِ الجامعِ للعناقيدِ والمُظَلِلِ لما تحته من الشمس ... وقد يكونُ بمعنى
سقف البيتِ الذي يُظللُ ساكنيه ويحميهم ... وقد يكونُ الأنظمةَ والقوانينَ التي
تحمي وتحكم وتُظلل مجموعةً من الناس سواء كانت عائلة واحدة أو مدينة أو قبيلة أو
دولةً كاملةً ... وفي الحقيقةِ فمُعظمُ الملوك والحكام لا يجلسون على عرشٍ ماديٍّ
مُعين، ولكن عُروشَهُم تبقى محفوظةً بمعنى حفظِ هيبتهِم وأنظمتهِم.
وهكذا فالمعنى العام للعرش هو
"العريشُ أو النظامُ الحاكمُ والمدبرُ لشؤون ما تحته" فلو اقترنَ بالله
تعالى أصبح العرش "أسماءِ الله تعالى الحسنى" لأنَّ هذه
الأسماءَ هي التي تحكم وتدبر الخلق ...
ولأنّ العرش من
منظورنا هو الأسماء الحسنى التي تظهر وتتجلى وتستوي وتتجسد من خلال خلق السموات
والأرض، فالعرش هو خلق السموات والأرض ذاته المحكوم بالأسماء الحسنى.
ما يشير إلى أنَّ المقصودَ بالعرش هو " الأسماء الحسنى التي تحكمُ وتدبرُ
شؤونَ الخلق وبالتالي الخلق" هو أنَّ ذِكْرَ "أسمائه الحسنى ودعوته
تعالى بها وتدبير شؤون الخلق والأمر" في جميع الآيات التي جاء فيها ذكر
"الاستواء على العرش" جاءَ بعد ذِكْر الاستواء على العرش مباشرة كما هو ظاهر في الآيات التي جاء فيها ذكر الاستواء على العرش أعلاه.
من هذا المنظور، فتدبيرُ أمر
الخلق يتمُّ من خلال هذه الأسماء الحسنى، أي من خلال عرشه الكريم. فنحن
محكومين بهذه الأسماء الحسنى ...
ولأنَّ الاستواءَ هو الظهور والتجلي بالقدرةِ في الوقت المناسب، والعرش هو الأسماء الحسنى، فكيف يمكن فهم عبارة {ثُمَّ اسْتَوَى
عَلَى الْعَرْشِ} التي جاءَ ذكرها بعد ذكرِ خلق السموات والأرض وقبل ذِكْرِ
تدبير أمور الخلق في عدة آيات؟
لو تأملنا في الآيات السبعةِ
التي جاء فيها الاستواء على العرش، نجد أنَّها تتحدث في سياق كوني عن ثلاثة أمور
على نفس الترتيب:
الأمر الأول:
هو خلق السماوات والأرض.
الأمر الثاني: الاستواء
على العرش.
الأمر الثالث:
وهو التذكير بأنَّه تعالى "يدبر الأمر" وبأنَّ علينا الالتجاء به وحده.
وبما قدمنا من تعاريف لـ "الاستواء"
و لـ "العرش" نقول:
الله تبارك
وتعالى خلق السمواتِ والأرضَ في
ستةِ أيامٍ من أيامه تعالى أو على ستة مراحل. طبعاً هذا الخلق لا يعكس إلا صفاتَ
خالقه من حيثيةِ الإبداعِ والحسن والجمال والكمال والعظمةِ والإتساعِ والصبرِ
والدقة والترتيبِ والمتانة والحكمة والعلم وما إلى ذلك من الأسماء الحسنى.
إلا أنَّ بعضَ الأسماءِ
والصفاتِ الروحيةِ كالرحمةِ والحنان والحبِّ والعلمِ والرشدِ تستلزمُ
وجودَ إحساسٍ معنويٍ وروحانيٍ في الخلق، مما يستلزمُ خلق "الحياة" التي
من خلالها ستظهر هذه الصفات الربانية الرُّوحانية.
ففي أثناءِ الخلق المهيب
كانت أسمائُه الحسنى تظهرُ تدريجياً وتستوي وتتجلى في الموجودات الجامدة من مجراتٍ شاسعةٍ وأراضين وما عليها من جبال وأنهارٍ وبحارٍ وغازاتٍ
وما إلى ذلك من خلائقَ جامدةٍ غاية في الإبداعِ والنظامِ والجمال والمتانة.
فظهرَ صبرهُ تعالى مثلا إذ بنيت
السمواتُ والأراضينُ في عشرات الملياراتِ من السنوات ... وتجلت عظمتُه تعالى وسِعتُهُ
من خلال الأبعادِ اللامتناهيةِ لهذه الأكوان ...
ولكن هذه الموجودات لا تعي
ولا تشعر، لذلك ظهرتِ الحياةُ تدريجياً
– عبر الملايين من السنين - في الحياة النباتية ثم الحيوانية، إذ بدأت تظهرُ بعضُ
الصفاتِ الروحانية، كحُبِّ الحيوانات لأبنائها، والشعورِ بالأمانِ والجوعِ والخوف، وما إلى ذلك من صفاتٍ. كما ظهرت بعضُ الصفاتِ الحيوانية مثل القتلِ
والجشعِ والوحشيةِ والأنانيةِ والخداعِ والمكرِ وما إلى ذلك من صفاتٍ حيوانية غريزيةٍ.
ثمَّ أخيراً خُلقَ الإنسان القادر على التعلم بنفسه وعلى تطوير قدراته ومداركه وصفاته
الإنسانية العقليةِ والروحانية.
هذا الإنسانُ
الآن على رأس هرمِ الخلقِ المهيب يستطيعُ
التمييزَ بين الخير والشرِّ، بين الحقِّ والباطل، بين الحيوانية الغريزية التي
يجدها في نفسه وفي الحيوانات من حوله، وبين الروحانيةِ الرَّبانيةِ التي يجدها
أيضاً في نفسه وتتنزلُ إليه من السماء عن طريق الأنبياء.
فبعد خَلْق الإنسانِ، أصبحتِ
السموات والأرض وما فيهن قادرةً ومهيأة ومُستويَّةً (أي
جاهزةً) على حملِ هذا الأمر العظيم وهذه مرحلة "الاستواء على العرش" أي مرحلة "الظهور و التَجَلِي لأسمائه تعالى من خلال خلقه وآياته".
وبهذا يمكن تصور ذكر "الاستواء"
على العرش،
إذ إنَّ كلمة "استوى" تعني الوصول
إلى الغاية بالتدريج المنظم المُقدَّر، وليس بالفجائيةِ الفوضوية العبثية
التصادفية. فعندما تقول "استوى العنب" فتعني أنَّ استواءَهُ لم يكن
فجأةً، بل تمَّ على مراحل عديدة تحت ملاحظتك.
فنحن نعيش، بل
نحن على رأس هذا العرش العظيم الكريم
وبهذا التصور نلقي
الضوء على الآية السابعة من سورة هود:
وَهُوَ الَّذِى
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ
وَكَانَ
عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً،
وَلَئِن قُلْتَ
إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ
إِنْ هَـذَا إِلا سِحْرٌ مُّبِينٌ {هود:
7}
وسنجيبُ على السؤالين
التاليين:
أولا:
كيف يمكنُ تصور وُجُودُ عرش الرحمنِ جلّ جلاله على مخلوق
مادي وهو الماء؟ ولِمَ الماء؟
ثانيا:
ما علاقةُ كونِ العرش على "الماء" بالابتلاء
وعمل الإنسان {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ
عَمَلاً}؟
للسؤالِ الأول،
العرش هو الخلق المحكوم بالأسماء الحسنى.
ولأن
الماء هو أصل الحياة كما
جاء في سورة الأنبياء الكريمة مثلا:
وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآء كُلَّ شىء حى أَفَلَا يُؤْمِنُونَ {30}
فيكون معنى {وَكَانَ
عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} أي "وَكَانَت أسمائُه الحُسنى (أي خلقه) عَلَى
الحياةِ" ...
ولأنَّ الإنسانَ هو غايةُ
الخلقِ وغايةُ الحياةِ وهَرَمُهَا، ولأنَّ الإنسانَ
ما
هو إلا خلقٌ مائي:
وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ
نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً {الفرقان: 54}
"وكان عرشه على الماء" أي " كانت أسمائُه
الحُسنى وخلقه وملكه عَلَى الإنسان المائي وعلى حياته".
ما معنى " وَكَانَت أسمائُه الحُسنى وخلقه على الإنسان وحياته"؟
كلمةُ (على) تعني الأمر والعلو والهيمنة كأنْ تقولَ (عَلىَّ دينٌ) و (عَليك فعلُ
ذلك) و (عَلينا أميرٌ). أي أنَّ أسماءَ
الله تعالى الحسنى وصفاته ومشيئته وإرادته على الإنسان وعلى حياته. فأمرُه
وقَدَرُهُ علينا، نحن البشرَ، رمزُ الحياةِ ورمزُ
الماءِ ...
فهي علينا لأننا حملنا هذه
الأمانة العظيمة كما جاء في الآية الثانية والسبعين من سورة الأحزاب:
إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ
وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا
وَحَمَلَهَا الْإنسانُ، إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً {الأحزاب:
72}
وللسؤالِ الثاني
(ما علاقة كونِ العرش على "الماء" بالابتلاء وعمل الإنسان؟ )، نقدمُ التصور
التالي:
هل سيتأثر عملنا لو كان
العرش على غير الماء؟ كيف سيُحاسِبنا الله تعالى على أعمالنا بمقتضى وضع العرشِ
الجديد لو كنا لا نعلم الوضع القديم فضلاً عن الجديد؟
وهل نحن الذي يقررُ بإرادته
شكلَ عرشِ الله تعالى الجديد وصفاته وماهيَّته؟
هل نفهم أن عرشاً مادياً
موضوعاً على الماء المادي بعيداً عنا لا نراه يلعب أي دور في ابتلائنا وفي
أعمالنا؟
أمّاَ لو قلنا: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} هو "وَكَانَت
أسمائُه الحُسنى عَلَى حياتكم" ... فنفهم أنَّ أسماءَ الله تعالى
الحسنى وصفاته ومشيئته وإرادته علينا وعلى حياتنا. فعلينا أنْ نعيشَ تحت ظلِّها
ونتعلمَ منها ونَستنيرَ بها وبهديها وعلينا أنْ نتعبدَهُ بها ونهتدي بِهديها
ونجعلَهَا مثلاً أعلى لنا ...
فالعبادةُ ترتبطُ ارتباطاً
وثيقاً بأسماء الله الحسنى. وبذا يمكن فهم ورود ذِكْرُ الأسماء الحسنى في العديد من الآيات في
القرآن. فمن الذي يُحْسِنُ العملَ بغير فهم صحيحٍ لأسماء الله الحسنى؟
وَلله الأسْمَاءُ
الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَائِهِ، سَيُجْزَوْنَ
مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ {الأعراف: 180}
إذن يمكن فهم قولُه تعالى {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} أي لِيرَى جلّ
جلاله من سينتفع بهذه الصفات ويستنير بها ومن سيُغمض عينه ويقفل قلبه ويحجب سمعه
عن أسماء الله تعالى وصفاته المتجلية في آياته وبديع صنعه ...
وليس هذا الأمر الإلهي بطبيعة الحال
خاصاً بأمةِ الإسلام، بل هو أمرٌ على جميع الأمم:
صِبْغَةَ اللهِ، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً، وَنَحْنُ لَهُ
عَبِدُونَ {البقرة: 138}
فالصَبْغُ هو الدَّهْنُ
والغَمُسُ. وصَبَغَ اللقمة أي دهَنَها وغَمَسَها. والمَصْبُوغُ هو كلُّ ما غُمِسَ.
فمن هذا المنظور يكون معنى الآية {138} من البقرة:
اعلموا وأدركوا صِبغةَ الله
واختاروها واتبعوا السبيل الذي هداكم إليه والفطرة السليمة التي فطَرَكم اللهُ
تعالى عليها وأرشدكم إليها عن طريق الأنبياء الذين جاء ذكرهم في الآيات السابقة.
هذا الاصطباغ فطرةٌ أساسيةٌ نجدها في الخلق من حولنا. فكما يأمرنا تعالى في القرآن بالاصطباغ بصبغته، فكتاب الخلق يأمرنا بنفس الشيء.
فالكائِناتُ الحيَّةُ تتأقلمُ وتتَكيَّفُ دوماً بظروف البيئةِ من حولِها.
كما إنَّ أحد أهم الظواهر
الفيزيائية هو إنتشار المحاليل السائلة بأنواعها وتغلغلها بنظام عجيب في الأوساط
المحيطة بها ... وما إلى ذلك من مشاهد وشواهد لا نهائية تبينُ تأثر الكائِنات
الحيَّة وتأقلُمِها وتماهيها وتغيرها بالبيئة المحيطة بها ...
وعن قوله
تعالى:
وَتَرَى
الْمَلَئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
وَقُضِى بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ {الزمر:
75}
أي أنَّ الملائكة حافِّين من حَوْلِ الخلق
والأكوان أي العرش ...
وعن قوله
تعالى من سورة غافر:
الَّذِينَ
يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ
يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ
ءَامَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ
لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ {غافر: 7}
الحَمْل ليس بالضرورة الحملِ
المادي. بل معنوي أيضاً، كأنْ "يحمل الإنسان همَّاً أو علما" ...
وحمل الشيءِ يعني كذلك فهمه
وإدراكه وتطبيقه والأخذ به على محمل الجد كما في قوله تعالى:
مَثَلُ الَّذِينَ
حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا
كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ...
{الجمعة: 5}
فالحملُ في {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ} بمعنى "حَمْل
الإنسان وإدراكه لأسماء الله تعالى ولمعانِيها " وهؤلاء هم الأنبياء
والصالحون الذين يستغفرون ويدعون للناس بالخير كما هي عادتهم. لاحظ أنَّ الآية
السابقة {6} من غافر تتحدث عن {الَّذِينَ كَفَرُوا}
فتتحدث إذاً الآيةُ {7} عن "الَّذِينَ ءامنوا"
... وهذا لا يعني أنَّ الملائكة الكرام لا يدعون ويستغفرون للناس أيضاً ...
وهناك تأويل آخر
لمعنى حمل العرش:
إذ قلنا في بحث آخر أن الخلق
قائم على معاني أرقام، وأن هناك 8 أنبياء يحملون معاني هذه الأرقام ... وبذا،
فإن الخلق "العرش" يقوم عليهم، أي هم يحملون العرش ......
فالعرش أي خلق السموات
والأرض يقوم على معاني أرقام حملة العرش الثمانية
!!! !!! !!!
وأخيراً في هذا
الموضوع، فإنَّ
آخر سورة في المصحف هي سورة الناس، وآخر كلمة في المصحف هي {النَّاسِ} ... فما معنى هذا ولماذا ولمَ تكررت كلمة الناس في آخر سورةٍ 5 مراتٍ؟
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ {1} مَلِكِ النَّاسِ
{2} إِلَهِ النَّاسِ {3} مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ
الْخَنَّاسِ {4} الَّذِى يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ النَّاسِ
{5} مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ {6}
من منظورنا يكمن الجواب في
اسم السورة "الناس".
فالنَّاس
رأسُ
الهرمِ في الخلق المائي المَهيبِ المُتضمِنِ لجميع الكائنات الحية التي خلقها
البارئ تبارك وتعالى منذ أقدم العصور.
ولسببِ أنَّ الإنسان هو
الحامل والمُظهرُ لأسمائه الحسنى تبارك وتعالى، تكون آخرُ سورةٍ وآخر كلمةٍ في
المصحف هي {النَّاس}.
أي إنَّ القرآنَ الكريم
بمجملِه من أولِه إلى آخرِه يحوي العرش وتفاصيلِهِ {أسماء الله تعالى الحسنى}
ويشمل أوامره ونواهيه "عرشه" تعالى التي
هي "على الناس".
سبحانه وتعالى
جلّ جلاله وتقدست أسمائه
تلألأت في
الظاهر أنواره ومن الباطن أسراره
تفجرت وشقشقت
بالحسن والكمال والإتقان إبداعاته
وضجت وشعشعت
بالحياة والجمال والود والكرم مخلوقاته
العقول منه
حائرة ... تشقى بأنفس جائرة ... لنفسها ظالمة
لرحمته
ومغفرته وتوبته ... تجري الدموع راجية
في انتظار
نظرة أبدية حانية
تثنت الصدور خشوعا من جلاله والرقاب
واقشعرت الأبدان لجلاله وفتحه وآياته العجاب
واقشعرت الأبدان لجلاله وفتحه وآياته العجاب
تتلهف القلوب
شوقا ... تتعلق العيون فوقا ... تقشعر الأبدان وجدا
وتشدوا الأنفس
حبا
بمشيئته يُخلقون ... بنعمائه يبقون ... على أمره يسيرون
... بهديه وإليه يرجعون
فسبحانه
وبحمده ملء ما عجز عبيده عن تمجيده وتسبيحه ومعرفته وتقديره
وما كفاه
فسبحانه ملء الذي
ما كفاه ...
وما كفاه ...
والصلاة والسلام على حبيب
الخلق والوجود
سيدنا ونبينا محمد المحمود
وعلى آله ومن سار على
هديه إلى يوم الخلود