بسم الله الرحمن الرحيم
القدر
وهل الإنسان مخير أو مسير والشر والعذاب في الدارين ولماذا خلقنا مواضيع كانت ولن تزال مسرحا للنقاش والاختلاف والفكر
على مدار التاريخ. وكثير من الناس ضل وألحد بسببها.
هذه
المواضيع من العقيدة وبالتالي يجب إدراكها
وحملها بشكلها الصحيح.
كثيرا
ما ضاعت حقوق الضعاف باسم أن القدر مكتوب. وكثيرا اتخذنا الكسل والاتكالية منهجا
في الفكر والعلم والعمل والبناء وأهملنا
الأخذ بالأسباب على المستوى الفردي و الأممي لسوء الفهم المتوارث عن القدر.
نسترخص
حياتنا وفكرنا وعقلنا وقدرتنا على الإنجاز، فكيف نتقدم بفكر رجعي جامد؟
كتابة القدر وهل الإنسان مخير أم مسير ؟
الإنسان
يحاسب في الصغير والكبير فهو إذن مخير كليهما.
لكنه
مخير ضمن قالبه المحدد له ويحاسب عليه فقط.
فليس
مخيرا في مواصفته الجسدية مثلا ، و في نفس
الوقت ليس مسئولا عنها.
بمعنى: ممثل فلم طلب منه أن يلعب دور الطبيب. هو لا
يستطيع لعب إلا هذا الدور الذي وله كامل القرار فيه. وأثناء قيامه بدوره نعرض عليه
مواقف جديدة ونكتب ردود فعله، ومن ثم نقييمه.
عند
التقييم لا نقيمه على أنه الطبيب، ولكن لأداءه.
الآن هل الأمور مقدرة مسبقا عنده تعالى، أي
هل قدر تعالى مسبقا أداءنا في هذه الأدوار؟
الجواب
نعم. الله يعلم تماما وبكل دقة تفاصيل أداءنا لأدوارنا منذ الأزل. وهذا من علمه وعظمته، سبحانه وتعالى.
مثال:
أنا مدرس. من فراستي وخبرتي أعلم الطالب المجتهد فأضعه مسبقا في الصف الأول، وأعلم
الطالب الشقي فأضعه في الخلف. دوما نفعل هذا.
ومن
خبرتي أعلم أن المجتهد سيدرس وينجح والكسول سيرسب. أنا لم أجعله يرسب. درستهم
جميعا، ولكني من أول يوم كنت أعلم هذا من
ذاك.
فالله
تبارك وتعالى خلق "الأنفس الإنسانية" أو هي في علم الغيب عنده ، وهذه
الأنفس هي نحن (ليس الجسد) والتي ذكرها تعالى في الكثير من المواضع من المصحف
الشريف، منها على سبيل المثال:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ
الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا
وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ
اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (النساء:1)
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا
وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا
الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى
أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (الزمر:42)
منها
الطيب الخير ومنها الشرير المستكبر.
ثم
خلق القدير البارئ السموات والأرض على أن
توافق الإنسان ومتطلباته الفكرية والمادية. خلق الكائنات الحية، ثم الناس.
ثم
بدأ سبحانه بعث الأنفس إلى الأجساد (أو الأدوار). النفس الطيبة تذهب إلى الدور
الطيب (نبي، صالح، ...) والشريرة للأدوار الشريرة (فرعون، أبو لهب، ...) وما بينهما ...
وكل
يلعب دوره كما كان "يَعْلَمُه" تعالى بعلمه الأزلي.
الآن، لو كانت الأقدار
مكتوبة فلم العمل والعبادة والدعاء؟
وهل الدعاء يغير المكتوب.
الأقدار
معلومة وثابتة لا تتغير. يقال أنها تتغير في ليلة القدر، وهذا يستند على تفسير غير
دقيق للآية 39 من سورة الرعد الكريمة:
يمحوا الله ما يشاء ويثبت، وعنده أمّ الكتاب {
39}
قيل
المحو في الآية تغير الأقدار. هذا لا ينبغي فهو المقيت القدير العليم و أكبر من أن
يغير صغيرا أو كبيرا في قدره. هذا إشكال عقدي في فهمنا لله تعالى.
وقد
أفردت موضوعا كاملا عن الموضوع وقلت فيه
أن أم الكتاب التي جاء ذكرها في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم هي حرف ألف المد:
فالأحرف
والكتابة تمحى وتمسح من مكان لتوضع وتكتب
وتثبت و ترسم في مكان آخر من المصحف.
كأن
يمحى حرف الألف "أم الكتاب" من
رسم كلمة "سبحن"
في أربعين موضعاً في المصحف ويظهر ويثبت في موضع واحد فتكتب "سبحان" في الآية 93 من الإسراء: قل سبحان ربّى هل كنت إلا بشراً رسولا
{93} ...
أو
أن يمحى من كلمة " كتاب" فترسم "كتب" في
جميع المصحف (252 موضعاً) ليظهر ويثبت في
أربعة مواضع فقط فترسم "كتاب" ...
فــ {يمحوا الله ما يشاء ويثبت، وعنده أمّ الكتاب} أي يمحوا أحرفاً من مكان في المصحف ويثبتها في
آخر، وليس الأقدار. وعنده أي بملكه هذا الكتاب
((ا)) الذي هو أم الكتاب. فيضعه أو يحذفه سبحانه أينما شاء ...
وتكلمنا
عند دراستنا للآية 39 من سورة الرعد في بحوثنا عن أن هذه التفاسير فيها إنقاص من
قدره تعالى، إذ لا يحتاج سبحانه وتعالى لكتاب أقدار أو إحصاء أو جرد كما هو حالنا نحن البشر ... فهو تعالى أعلم وأقدر وأحفظ من أن يحتاج إلى كتاب
إحصاء كي لا تضيع منه الأشياء، جلّ جلاله ...
كما
قيل عن "الكتب المبين" الذي جاء ذكره
في بعض الآيات القرآنية الكريمة أنه كتاب
في علم الله تبارك وتعالى فيه أخبار وإحصاء كل شيء مخلوق ومقدر ... ما كان وما سيكون ...
لكن
كيف نفهم حاجة الله تعالى إلى كتاب إحصاء؟ فهو
تعالى أعلم وأقدر وأحفظ من أن يحتاج إلى كتاب إحصاء كي لا تضيع منه
الأشياء، سبحانه وتعالى.
الخلق
هو بحد ذاته كتاب كامل لا تفريط فيه ولا نقصان، وهو ما تنص عليه الآيات الشريفة
ذاتها .... ولقد تكلمنا في موضوع :الكتب
المبين بالتفصيل عن هذه القضية.
وقلنا
إن الخلق الكوني بسماواته وأراضيه "كتاب" كما يتوافق مع سياق النص
القرآني:
وما من دابة فِى الأرضِ ولا طائر يطير بِجناحيه
إلا أمم أمثالكم، ما فرّطنا فى الكتاب من
شىءٍ، ثم إِلى ربّهِمْ يحشرون {الأنعام:38}
ما فرّطنا فى الكتَاب من شىءٍ ، أي :
ما
فرّطنا فى (الخلق) من شىءٍ.
فكلمة
"كتاب" في عدة مواضع في المصحف الشريف هي
خلق السموات والأرض على سبيل المجاز والاستعارة. ولقد استخدم القرآن الكريم
الاستعارة كثيراً كما نستعملها نحن البشر.
فالأقدار لا تمحى ولا تتبدل.
لكن
نحن لا نعلم هذه الأقدار بطبيعة الحال، فعلينا العمل وكأننا نحن الذين نكتب هذه
الأقدار، نكتبها بأعمالنا. وكل ذلك، صغيره وكبيره معلوم عنده تعالى منذ الأزل.
وليست
أعمالنا نحن الناس هي المعلومة عنده تعالى وحسب. فكل حركة في عمر هذا الكون المديد
بالرغم من عمره واتساعه وتعقيداته ... كل حركة أو تفاعل (كيميائي مثلا) ... كل ذرة
أو مكوناتها الصغيرة ... كل ذلك في علمه الأزلي قبل أن تخلق السموات والأرض ...
تأمل في هذه النقطة ( . )
فهي
تحوي البلايين من الذرات، وبكل ذرة ما لا يحصى في المكونات. كل هذه المكونات التي
تكون ذرة واحدة معلومة عنده تعالى ليس
بوجودها الحالي وحسب، بل أين كانت قبل مليارات السنوات ... ما فعل وأين تحرك وبم
اصطدم خلال عمر الكون المجيد ...
وتقدير
ذلك كله وخلقه يسير
عليه ... سبحانه وتعالى ... كبير عظيم
عليم حكيم ... فترى ما جماله وأنواره ؟ سبحانه ...
لم الشر والمرض والعذاب؟
كل
الخلق ابتداء من الجماد بجميع أنواعه وحجومه (من مكونات الذرة إلى الحشود
المجرية)، إلى الكائنات الحية بجميع أنواعها وفصائلها وتاريخها، كله في صراع مستمر
دموي ضاري كما فصلته في مقال (أين أنت من هذا السباق).
الصراع
الفطري هذا إشارة منه تعالى لنا نحن الناس أن تسابقوا في مرضاة الله تعالى والقرب
منه:
وسارعوا إِلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات
والأرض أعدت للمتقين {آل عمرن:133}
سابقوا إِلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرضِ
السماء والأرضِ أعدت للذين ءامنوا بالله ورسله
ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضلِ العظيم {الحديد:21}
فحب
السيطرة والانتشار والغزو والبقاء والتنافس الذي نجده في الكائنات الأخرى والأفراد
والعوائل والقبائل والشعوب هو نتيجة طبيعة
لهذه الفطرة التي نجدها في حولنا.
علينا
فهم المغزى من هذا الصراع لنسير في الاتجاه الصحيح. علينا التنافس في الخير لا الباطل. علينا أن ندرك الهدف من السباق لنصل
آخره.
نأتي الآن على السؤال الأهم وهو لماذا جعل الله تعالى الشر
أصلا؟
كل
منا سأل نفسه كثيرا هذا السؤال. لم الشر؟ لم المرض والموت؟ لم الفقر والقتل
والظلم؟ بل والأهم من هذا كله لم العقاب الأزلي في الآخرة؟
لم المرض والموت؟
المرض
والموت يعلمنا معنى الصحة، يجبرنا المرض أن نتعلم الطب والكيمياء والصيدلة، فنعرف الخالق
تعالى أكثر فنقترب.
يمرض
أو يموت الإنسان أو عزيز له فيعاني ويصبر فتسقط منه ذنوبه كورق الشجر خريفا،
فيرتفع بصبره ومعاناته، فيتقرب.
بالمرض
والموت نشعر بالحياة وبالحزن والحب
والإخلاص والخوف.
ندعوا
لمرضانا ولموتانا فيرفعهم الله تعالى،
ويرفعنا معهم بالأجر.
لو
لم يمرض الإنسان ويموت لأصبح طاغيا مستكبرا مفسدا فيبتعد عن الله تعالى فيخسر
السباق. الإنسان يتكبر بأمراضه وشيخوخته وضعفه وموته، فما الحال لو لم يكن كذلك؟
فالمرض
أو الموت شر بحد ذاته، لكنه في المنظور البعيد خير.
والشيء
نفسه يقال عن الشرور الأخرى. فلو ترك الإنسان بلا حروب وأمراض في جنة الأرض بلا
معاناة فإنه لا محالة سيتكاسل ويركن إلى الدنيا ويفقد أحاسيسه ومشاعره تجاه نفسه
والآخرين والدنيا والله تعالى فيفسد نهائيا.
في
الحقيقة لا يمكن تصور شعب يستطيع الصمود في الحياة بنعيم دائم، إذ سيفسد الشعب كله
وينتهي في غضون عقود.
فالمعاناة
شر لكن الهدف كله خير. فالله تبارك وتعالى لا يأتي منه إلا الخير، والخير فقط.
وكذلك
مثلا شر الأذية. أذية الناس أفرادا وقبائل وشعوبا لبعضها البعض، خير وضروري!!!
فكما
المرض جعل لرفع الصابرين، فالكفر وأذية المؤمنين جعلت لرفع المؤمنين وقربهم.
الكفر
وأذية الناس شر بحد ذاته، لكن الهدف النهائي منها هو خير للمؤمنين:
وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الإنسِ والجن
يوحى بعضهم إِلى بعض زخرف القول غروراً
ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون {الأنعام:112}
ولو شاء ربك ما فعلوه: نعم، لأنه تعالى شاء رفعة الصالحين على ظهور
الأشقياء.
من هذا المنطلق، فالشر جعل
لهدف الخير.
ملاحظة:
نجد
في الكتب اسما غريبا له تعالى وهو : الضّار. فمن منا يسعد أو يتشرف بهذا الاسم
لنفسه؟
ثم
هل تتحمل معاني كلمة "حسنى"
لغويا اسماً كالضّار؟
نستغفر
الله تعالى من هكذا أفعال. فالله تعالى لا يضر شيئا أبدا بل يعيد الشر لأصحابه.
وكذلك
المكر. فهو يعيد المكر لأهله ولا يبدأه ... سبحانه وتعالى ...
تبقى
نقطة أخيرة هنا. لماذا شاء الله تعالى رفعة
المؤمنين بشقاء الكافرين؟
يعني:
لو أراد تعالى نعيم المؤمنين واكرامهم
لدرجة لخلق الكون لهم، فلم لا يفعل ذلك سبحانه بأخذهم لجنة الخلد من دون
خلق الكافرين ثم عذابهم؟ كيف نفهم أن يعذب
أهل النار خالدين فيها من أجل عدائهم للمؤمنين؟
للتفكر
في هذا السؤال الأزلي الكوني نفسر قوله تعالى من سورة المؤمنون:
ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا
لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض، سبحان الله عما يصفون {91}
ما
معنى الآية؟
كل
ما يعرفه الإنسان من قوانين ونواميس تخص الأكوان المخلوقة، لكن نجد في الآية أعلاه
شيئا فوق كل ما نعرفه ... طبعاً لا توجد
آلهة أخرى غيره سبحانه ... فلو وجدت، فإنهم سيتنافسون: فالأنداد يتنافسون وإن
كانوا آلهة ... الآية الكريمة تقول هذا ... فمن باب أولى تطبيق التنافس على الخلق
...
فالله
عز وجل خلق الناس كلهم ليجعل "المؤمنين" أعلاهم بالإيمان والسكينة في
الأرض، ويوم الحشر بتوزيعهم للشفاعة على من هم أدنى منهم، وفي جنات عدن التي هي
درجات أعلى وأعظم شأنا ... وبهذا تكتمل نعمته تعالى على أصفيائه ...
انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر
درجات وأكبر تفضيلا (الإسراء:21)
فيما يلي أضرب مثالا يظهر ما قلته بالتفصيل ...
لنفترض
أن ملكاً له سلطانا وقدرة عظيمة أحبَ إنساناً، فكيف يظهر له الحب والود؟ قد يقال
أخذه مثلاً إلى جزيرة أحلام فيها كل ما تشتهيه النفس مسخرة له. ولكن هل هذا كل ما
يريده المحبوب؟ في الحقيقة لا، فلو أراد الملك التكريم الكامل فعليه أن يفضله على أقرانه كذلك لأنه بفطرته يسعى للتميزِ عن أقرانه ابتداءً من
تنافسه مع مئات الملايين من أقرانه في رحم أمه لتلقيح بويضة وحيدة.
نقطة
أخرى: لو علمنا أن الإنسان يعيش في الأرض
مدة قصيرة جدا لا تتجاوز المائة سنة بالنسبة للخلود الأبدي في الجنة أو النار، كيف
نفهم أن يخلد الكافرون في النار؟
لو
أملك بقالة صغيرة عليها بائع. عندما أحاسب البائع أحاسبه على مقدار مسؤليته
المحدودة.
الآن،
لو أردت محاسبة رئيس شركة كبيرة، فهل أحاسبه كما أحاسب عامل البقالة، أم أحاسبه
على كل ما تحته؟
فلو
عرفنا أننا مسئولين عن خلق السموات والأرض وأننا على رأس هذا الخلق، فكيف يكون
حسابنا؟
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا
وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا
(72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ
وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ
وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (الأحزاب:73)
وأخيرا في شأن الحروب بين الناس والأمم فلنا ما يلي:
هناك
قوانين ونواميس دقيقة غير مرئية ولا مُدركة تمضي على الأفراد والمجتمعات كما أن
هناك قوانين طبيعية فيزيائية تمضي على الخلائق. وهذه القوانين هي نفسها ذاتها هنا
وهناك، إلا أن لها صيغا ومعادلات حسابية رياضية مختلفة حسب الحالة.
فتأمل
قوله تعالى من سورة الحج الكريمة :
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ
بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ
النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ
وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ
يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)
الآية
تشير إلى قانون التدافع بين الناس. فلولا أن الناس تدفع وتقاتل بعضها بعضا (وهو شر
كما نراه) لركنت الأمم إلى الدنيا وفسدت ثم خسرت.
نجد
تطبيقا مباشرا لآية الحج الكريمة في أحداث 25 يناير في مصر!
فنلاحظ
أنه في آخر يوم من السنة 2010 وقعت تفجيرات طائفية في كنيسة الإسكندرية.
والآية
الكريمة تقول بصراحة أنه بمجرد وصول الفسق الحد الذي يستبيح أماكن العبادة – مهما
كانت – فإن الله تعالى سيدفع بعضهم ببعض لوقف هذا الإفساد العظيم.
وهذا
ما حصل بالضبط. إذ لم يمض شهر واحد على تفجير الكنيسة، إلا ووقعت الثورة المصرية
ولا تزال تداعياتها للحظة.
للتأكد
انظر حولك في حالة المجتمعات التي تجتاز هذا الخط الأحمر. ما حال الباكستان
وأفغانستان؟
موضوع القدر يقود الإنسان لسؤال كبير وهو لماذا خلقنا؟
من
الملفت أننا لا نفكر بالسؤال لو كنا سعداء. نفكر به فقط عندما نتألم ونشقى.
الجواب
في الآية الكريمة من سورة الذاريات:
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا
لِيَعْبُدُونِ (56)
فيقال
إننا خلقنا لنعبد. لكن الله تبارك وتعالى
أعظم من أن يحتاج للعبادة.
فلو
قال مدرس لطلبته: أدرسكم لتتعلموا. فكل طالب يفهم الكلام بطريقته. منهم الذي لا
يريد أن يتعلم أصلا، ومنهم ليفهم أو ليصبح مهندسا ، أو ...
فالتعليم
وسيلة وليس غاية.
كذلك
العبادة. فهي وسيلة وليست غاية.
ونجد
هذا المفهوم في الآيات التالية مباشرة من الذاريات الكريمة:
مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا
أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ
الْمَتِينُ (58)
فهو
تعالى في غنى عن عبادة الخلق له سبحانه.
قد
يقال إن الله تعالى خلق كل هذا ليرينا عظمته وإبداعه. لكن ما حاجة الخالق ليظهر
عظمته لمخلوق طيني هو سبحانه خلقه؟
الله
تبارك وتعالى واحد، فلا بد من أن يكون الهدف من وجودنا كذلك واحد، فكل شيء في
الخلق دوما يشير إلى واحد.
إن
الخلق بسمواته وأراضيه وكائناته الحية والميتة، والمجتمعات الإنسانية المتعاقبة،
بما في ذلك الأديان السماوية تشير إلى هدف الخلق هذا.
وهو
هدف كبير عظيم كما هو خلق السموات والأرض، فلابد إذن من أن يكون الوصول لفهم هذا
الهدف كبيرا عظيما.
للوصول
لهذا الهدف الكبير وهو غاية الخلق، لابد من أن يكون الطريق طويلا ... بطول خلق
السماوات والأرض وبطول وجسامة تاريخ المجتمعات الإنسانية.
فلا
نعجب إذن من أن الجواب لهذا السؤال لا يزال محيرا بعد طول زمان.
والحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد المصطفى الأمين
وعلى آله ومن سار على هديه ببصيرة إلى يوم
الدين